بعد سنوات على انطلاق رياح التغيير التي اجتاحت بعض الدول العربية، فان المشهد الذي استقر فيها لا يبدو ورديا، لما أفرزته من تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية، تجلت فيما بدأنا نشهده من مساس لهيبة الدولة وتحطيم للمنظومة القيمية والوطنية، وحالات من العنف والفوضى وصراعات دموية فرضتها جماعات دول الربيع العربي، ورسمت صورة قاتمة لمستقبل شعوب اعتقدت بأنها ستنعم بالسلام والرفاهية والحرية التي حرمت منها على مدى عقود، غير أن العنف استمر وتصاعد مخلفاً الدمار والخراب وهدم دول، وخسائر اقتصادية هائلة وخطوات للخلف في عصر سباق التقنية والمعلوماتية.

كان للولايات المتحدة دور أساسي في تسعير الاحتجاجات العربية، عبر تقديم الدعم المالي إلى منظمات المجتمع المدني في الدول العربية المنخرطة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال ما يعرف بالقوة الناعمة، وحشد الجماهير والتأثير على الرأي العام، وإعداد الشباب وتدريبهم على كفاح اللاعنف أو الاحتجاج السلمي، عن طريق المؤسسات التدريبية مثل معهد (أينشتاين) التابع لمؤسسة (جين شارب)، من أجل تغيير قيادات بعض الدول العربية ممن فقدوا شعبيتهم، لتقسيم بلدانهم على أسس طائفية ومذهبية وعرقية.

اقترن اسم جين شارب بالكتابة والتأليف في الموضوعات المتعلقة بالكفاح السلمي، وقد استفاد من كتاباته العديد من الحركات المناهضة للحكومات حول العالم. ولد شارب في ولاية أوهايو الأميركية، ودخل السجن مدة تسعة شهور بسبب احتجاجه على عملية التجنيد للمشاركة في الحرب الكورية، ونال درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة أكسفورد في النظرية السياسية.

وبرز بصورة واضحة في عمليات التدريب على الكفاح السلمي ومبادئ اللاعنف، بعد أن قام بتأسيس معهد ألبرت أينشتاين عام 1983، لدعم حركات تغيير الأنظمة في العالم من خلال ما يسمى (استراتيجيات التغيير السلمي)، وهذا المعهد وثيق الصلة بالمخابرات الغربية ويتلقى التمويل من مؤسسات الملياردير الصهيوني جورج سوروس.

بناء على ذلك تم تدريب مجموعات من الشباب العرب، على العصيان المدني، والتحرش برجال الأمن واحتلال المباني، وإضفاء طابع المرح والفكاهة والغناء على التظاهرات والاحتجاجات، ليكونوا على رأس الحركات الاحتجاجية في دولهم تحت شعار تحقيق الديمقراطية.

بدأ نجم (جين شارب) يسطع بعد نجاح حركة (أوتبور) الصربية المعارضة، التي اتخذت من شعار (قبضة اليد) رمزا للحركة، في الإطاحة بالرئيس (سلوبودان ميلوسوفيتش) عام 2000 بدعم وتمويل الملياردير الصهيوني (جورج سورس)، ثم تطورت حركة أوتبور لتغدو معهد لدراسات اللاعنف باسم (كانفاس)، الذي تولى تدريب الشباب ونقل التجربة الصربية خارج صربيا، وتصدير الثورة إلى جورجيا عام 2003 من خلال حركة (كمارا) التي تعني (كفايه) وسميت بثورة الورود، وبعد جورجيا انتقلت الثورة إلى روسيا عام 2005، وفنزويلا عام 2007، وعرفت تلك الثورات بالثورات الملونة لأن كل حركة اتخذت لونا مختلفا لجذب أنظار الجماهير تحت شعار واحد.

استمد شارب أفكاره من دراسات متعمقة لحركة مهاتما غاندي، وفي كتابه الصادر عام 1973 بعنوان (سياسة الحراك السلمي)، يشير إلى العديد من المصادر التي تأثر بها، ويقدم فيه تحليلا علميا شاملا عن الحراك السلمي.

أبرز مؤلفاته كتاب (من الديكتاتورية إلى الديمقراطية) الذي نشرته مؤسسة ألبرت أينشتاين، وشكلت مؤلفاته مرجعية هامة خلال الدورات التدريبية للحركات الاحتجاجية العربية التي عقدت في الغرب، وبخاصة في صربيا عام 2008، ووصفه الرئيس الفنزويلي السابق (هوجو تشافيز) بمفجر ثورة الغوغاء والفوضى الخلاقة في العالم، وقد منعت كتبه من التداول في الاتحاد السوفيتي السابق.. والى جانب نشاطه الفكري الذي دشنته العديد من المجلدات والمؤلفات، ساهم شارب مع مجموعة من المنظمات الدولية، في تدريب الكوادر الشبابية من دول أميركا اللاتينية والدول العربية، مما جعله أبرز منظر وملهم للثورات الملونة والثورات العربية.

* (استراتيجيات التغيير السلمي) بدأت بتدريب مجموعات من الشباب العرب، على العصيان المدني، والتحرش برجال الأمن، وإضفاء طابع المرح والفكاهة والغناء على التظاهرات والاحتجاجات