كل الاتهامات التي ألصقها الرئيس عمر البشير بالثائرين عليه وعلى نظامه لن تجدي نفعاً فكل الذين أزيحوا بإنتفاضات شعبية خلال السبعة أعوام الماضية، وقبل ذلك، كانوا وصفوا الثائرين عليهم بـ "العصابات" وبـ "العمالة للأجنبي" و"بشراذم" تسعى لإعاقة مسيرة الإصلاح وأنَّ نهايتهم ستكون مزابل التاريخ وأن الشعب لن يغفر لهم جرائمهم وأنَّ عقابهم سيكون شديداً على كل ما فعلوه!!.

إن مثل هذا الكلام المكرر، منذ بدايات عقد خمسينات القرن الماضي وقبل ذلك، كان قد قاله معمر القذافي، رحمه الله على أي حال، وقال أكثر منه كثيراً وكان قاله ولا يزال يقوله بشار الأسد بعد أن كان قاله أبوه قبله وهذا مع أن هؤلاء عندما قاموا بإنقلاباتهم العسكرية الدموية قد أطلقوا عليها مصطلح "ثورات" وحيث أن كل واحدة من هذه الثورات، التي حمى الله بلدنا الأردن منها، لم "تُبق ولم تذر" وعلقت معارضيها على أعواد المشانق ومن منهم لم يفارق الحياة في الزنازين المظلمة لا يزال يقاسي أبشع مما كان تعرض له أي سجين إن في العهدين:"النازي" و"الفاشي"..وأيضاً إن في العصور الوسطى!!.

وهنا خلافاً لكل ما قيل حول زيارة "المشير" البشير الأخيرة إلى دمشق، التي صفق لها ثوار هذا الزمن الرديء حتى إحمرَّت أكفهم، فإن هدف تلك الزيارة كان هو إستعطاف بشار الأسد كي يتوسط له لدى الروس ليسمحوا لبعض متقاعدي جيشهم ومغاوريهم، الذين تحولوا إلى بنادق للإيجار، بمساندته في قمع من إعتبرهم :"شذاذ آفاق" مقابل السماح لروسيا بإستغلال مناجم "الألماس" والثروات الدفينة في أرض بعض المناطق السودانية.. وهذا يبدو أنه قد حصل لا بل وقد تأكد بالصوت والصورة.

لقد بقي "المشير" البشير على قمة هرم الحكم في السودان، هذا البلد الطيب والشعب الذي لا أطيب منه ولا أكثر ثقافة في أقطار الأمة العربية كلها، ثلاثين عاماً..وبالطول والعرض، كما يقال، وذلك في حين أن المفترض أن يقتدي بذلك الإنسان النبيل سوار الذهب الذي هو في حقيقة الأمر يجب أن يكون مثالاً "مُقتدىً" و"يُقتدى" به في كل أقطار الوطن العربي وكل الأنظمة "الجماهيرية" و"الجمهورية" ،رحمه الله، الذي إختار أن يدفن في المدينة المنورة.

ربما يعتبر البعض أن ما أقوله، ويقوله كثيرون غيري ، تدخلاً في الشؤون السودانية الداخلية، وحقيقة أن هذا قد قيل بالنسبة لسوريا وليبيا والعراق ودولاً أخرى وكأنه من حق الأميركيين والروس والأوروبيين كلهم وغيرهم أن يتدخلوا في شؤوننا بينما لا يحق لأي عربي يوجعه وجع أي عربي وفي أي مكان من الأرض العربية مثل هذا التدخل وبخاصة عندما يكون المقصود هو السودان الذي أعطى لأمته عدداً كبيراً من المبدعين وفي طليعتهم الطيب صالح الذي من لا يعرفه لا يعرف عن الشعب السوداني أي شيء.

أليس أفضل لـ "المشير" البشير يا ترى أن يتخلى عن التلويح بـ "عصاه" أمام أنوف أبناء شعبه وأن يكتفي من الغنيمة بالإياب وبخاصة وأنه "ليس في كل مرة تسلم الجرة" وأنه "لو دامت لغيره فلما وصلت إليه" وأنه من الأفضل له أن يتنحىّ بإرادته و"بطيبة خاطره" من أن تتم تنحيته بالقوة و: "الشقيُّ من إتعض بنفسه والسعيد من إتعض بغيره".. وإن ما حدث مع "العقيد" معمر القذافي لا يزال ماثلاً للعيان ومن الممكن أن يحصل مع آخرين كثر!!.