مع ولادة العام الجديد واقتراب موعد القمة الإفريقية الثانية والثلاثين, التي ستُعقَد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في شباط الوشيك,خرَج رئيس مُفوضِية الاتحاد الإفريقي موسى فِقي محمد على الشُعوب الإفريقية,بخبَر وَصَفَه بـ"الحلم الذي طال انتظاره",كاشفاً عن أن إصدار جواز السفر الإفريقي الموحّد,الهادِف الى" تسهيل حرية حركة المواطنين,وتحفيز النمو الإقتصادي وتعزيز التجارة داخل إفريقيا,وإنشاء قارة ذات حدود غير مُستوِيَة...قد بات قريباً"وقيد البحث, من قبل قادة دول هذه المنظمة.(تأسّست تحت اسم"منظمة الوحدة الإفريقية"في ايار 1963فيما أصبحَت تُعرَف بـِ"الاتحاد الإفريقي" في العام 2002).

خطوة دراماتيكية لا يسبِقها إذا ما تمّ التصديق عليها ووضعها موضع التنفيذ,سوى الاتحاد الأوروبي بالنسبة لمواطني الدول الأعضاء,وليس للأجانب سواء بصيغة تأشيرة شينغن أم تلك غير المُنضوية في تلك الاتفاقية.لكن ذلك كله لا يبعث على الإعجاب"عربيًا",لأن الأفارقة في سعيهم هذا,إنما يخرجون على النموذج العربيّ,الذي بات أمثولة عالمية تُحارِب دول قاريّة وإقليمية للحاق بهذا المثال الفريد,لكنّها تُخفِق بل ولا تحصد سوى الفشل,وهي ترى الشعوب العربية في مشارق العالم العربي كما مغاربه,تتدفّق بِحُريّة عبر الحدود,ولا تكاد "تستهلك" دقيقة واحدة من وقتها الثمين في الوقوف على الحدود"غير المرئية أصلًا".وبالتأكيد لا شيء في قاموس عرب اليوم"أنظمةً وشعوبًا" شيء اسمه تأشيرة,ناهيك عن الحريّة التي يتمتّع بها رأس المال والأيدي العاملة والبضائع والمنتجات العربية في كلّ الاتجاهات,تمامًا مثل الاستثمار العربي "البيّنِيّ" بالمليارات التي تنعم بها الاقتصادات العربية,على نحو يعود بالفائدة المزدوجة على المستثمِر,كما على شعب هذه الدولة العربية أو تلك,حيث توشِك (الدول العربية كافّة) على إعلان قهرها الفقر والبطالة,وترتفع مستويات بناها التحتيّة وتنافُسيّة جامعاتها,وخصوصًا ما يخصّ البحث العلميّ والاختراعات من مئات ملايين الدولارات,التي تُوفرِها الوقفيات واصحاب رؤوس الأموال والبنوك والحكومات العربية,ويتقدّم علماؤنا على سلّم عدد الاختراعات والاكتشافات والأبحاث التي هي سِمة أساس من عالَم اليوم.

عودة إلى إفريقيا "المتخلِّفة"

فهذه القارّة التي أنهكها المستعمرون الغربيّون,ونهبوا ثرواتها الضخمة واستعبَدوا شعوبها, ومارسوا أبشع أنواع تجارة العبيد في التاريخ..قديمه وحديثه,ولم تسلَم شعوبها من فساد وقمع ودموية بعض قادتها,الذين جاء ببعضهم المستعمرون,وآخرون قارفوا الجرائم بطبيعتهم وتكوينهم السلطويّ الظلاميّ,ما تزال تسعى وبدأب للنهوض,وتواصِل البحث عن جوامع ومشتركات بين ابنائها وشعوبها وأعراقِها وإثنيّاتها,التي استثمر فيها المستعمرون كثيرًا, وطويلًا للإبقاء عليها في مربع التبعية والإرتهان,لكن قادتها وبخاصة بعض أولئك الذين قادوا حركات التحرر الوطنيّ,بذلوا جهودًا مكثّفة وهائلة,من أجل الدفع بصيغة "منظمة الوحدة",إلى صيغة أكثر تطوراً تُقام في الوقت نفسه وفي موازاتها,سلسلة من "الهياكل" والمُحدّدات تحول دون تمزّق هذه الصيغة أو تلك,التي استقرّت لاحقًا بعد أربعة عقود وحملت اسم"الاتّحاد الإفريقي".مثل محكمة العدل الإفريقية,ولجنة حكماء إفريقيا وهيئات إقليميّة أخرى.كما سبق ذلك كلّه,النص الحكيم وغير المسبوق في ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية,الذي تعهّدت بموجبه الدول الأعضاء بـ"احترام" الحدود القائمة,رغم أنها حدود رسمها المستعمرون خدمةً لمصالحهم واقتسامًا لثروات إفريقيا,لكن الحاجة لاحترامها نابعةً من أن أيّ تغيير فيها لن يأتيَ إلّا بالحروبٍ والشرذمة,والتصدعات,لن تخرج منها إفريقيا حتّى بعد قرون مُقبِلات,وستكون مسرحًا لحروب أهليّة وعودة مؤكدة للمستعمرين,رغم أنّهم لم يغادروها في واقع الحال,وسعوا إلى استتباعِها بأشكالٍ وأساليب عديدة.

تأتي الآن "حكاية" الجواز الإفريقي الموحّد,لتُضيء(إقرأ..لِتفضَح)على ما نعانيه عربيًا, وبخاصة بعد انعقاد "40" قمّة عربية,منذ قمّة "أنشاص"الأولى عام 1946حتّى العام 2017.منها 28 قمّة عادية,و9 قمم طارئة (...),و"3" اقتصادية(غير تلك التي قد تنعقد في بيروت الأسبوع المقبل,والتي سيكون على جدول أعمالها بند إعمار سوريا,فيما يجادِل بعض العرب بل يرفض حضور سوريا,التي يدّعي أنّه سيُعمِّرها).

ماذا نتج عن مؤسسة القمّة العربيّة؟وما هي الحال العربية بعد كلّ هذه المراسم الفخمة,والنقل الإذاعي والتلفزيوني الفضائيّ المباشِر,والخطب العصماء,والمقررات والتوصيات التي تتحدث عن الإخاء والوحدة والدفاع العربي المشترك والحقوق وحرية التنقل والعبور والمناطق الحرّة والاستثمار,وغيرها من المصطلحات والعبارات الرنانة والزيارات الأخويّة,وخصوصًا تلك التي تؤكد على عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة لهذا البلد العربيّ أو ذاك؟

"المُتخلّفون"الأفارقة يحثّون الخطى نحو آفاق رحبة جديدة وأحلام واعِدة,بدّدها عرب اليوم برعونة وسَفه,حدود التواطؤ والتآمر على شعوبهم,وخصوصًا هرولة البعض للإستقالة من عُروبتِه والتنكّر لها.

عظَّمّ اللهُ أجرَكم.

kharroub@jpf.com.jo