اعتادت الصحف ووسائل الاعلام في نهاية كل عام، على تقديم " كشف حساب" لأهم أحداث العام المنتهي، واستطلاع آراء خبراء وكتاب لتحليل أحداثه ، وبالمناسبة الغالبية العظمى من التحليلات جانبها الصواب ، حيث أصبح "المحللون" الذين تستضيفهم الفضائيات،أشبه بالمزاودين في أسواق الخضروات !

وإذا كانت غالبية دول العالم تحتفي بتحقيق إنجازات، في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، فإن الحالة العربية حصادها مرّ وتواصل الانحدار، وعنوانها المزيد من "اللطم"، حيث تتناسل الأزمات على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، وتزداد حالات الاحباط وفقدان الأمل والرغبة في الهجرة ، بسبب تزايد معدلات البطالة والفقر ،وضنك العيش الناجم عن ارتفاع الاسعار والضرائب وتآكل الأجور ، وتشهد العديد من الأقطار احتجاجات شعبية على هذه الاوضاع، تبدو نسخة جديدة لـ "الربيع العربي" الذي تم شيطنته !

وثمة حروب بينية في مناطق عديدة ،وفي عديد الدول يوجد انقسامات عميقة أو صراعات أهلية مسلحة ، كما هو حال اليمن وسوريا وليبيا والعراق، وترتكب خلالها جرائم وحشية، فيما تواصل الدول الأجنبية النافذة،التنافس والسباق على تحقيق مصالحها على الارض العربية، من خلال الوجود العسكري أو عبر عمليات ابتزاز وتهديد وممارسة الضغوط لاستنزاف الثروات العربية.

وربما لغرابة الأحوال العربية التي ليس لها مثيل ،من الصعب إخضاعها لقراءات موضوعية! خذ مثلا الهجوم التطبيعي الصهيوني المفاجئ ، الذي كسر حواجز كانت تبدو سميكة باتجاه دول عربية، لكن تبين أنها حواجز وهميةتخفي قنوات تطبيع سرية ! ويقابل ذلك إصرار القوى السياسية الفلسطينية ، التي تدير المشهد على تعميق الانقسام، فيما يشبه التناغم مع التسريبات عن "صفقة القرن"، التي تسعى لتمريرها إدارة الرئيس الأميركي ترمب !

ما يهمنا كيف سيكون العالم الجديد ؟ الأرجح أن متوالية النكسات والفشل والانقسامات ستتواصل ، فليس في الأفق ما يشير الى احتمالات تبشر بخير، فالعقليات الحاكمة تتمسك بثوابتها السياسية، والثقة مفقودة بين الانظمة والشعوب ، ولا يوجد ما يشير الى إجراء اصلاحات سياسية حقيقية، تتيح للمواطنين المشاركة في اتخاذ القرارات ،وانتاج السياسات المتعلقة بإدارة شؤونهم.

كل يوم يحدث في عالمنا العربي ما يثير الضحك والبكاء معاً.. استيقظ العالم في آواخر عام 2018 على "تغريدة" للرئيس ترمب، يعلن فيها قراره سحب القوات الاميركية من سوريا ، دون التشاور مع أحد حتى مع أركان ادارته ، وبالتأكيد النظام السوري لا علاقة له بالأمر، فهو أصلا علم من وسائل الإعلام بإنشاء القواعد الأميركية في بلاده قبل سنوات، ثم أصبح نظامه يردد "معزوفة" أن ذلك يعتبر انتهاكاً لسيادة سوريا، وهي "سيادة صورية " منتهكة بالفعل من قبل عشرات الدول والميليشيات الأجنبية، وفي مقدمتها الوجود العسكري الروسي والإيراني! فضلا عن الانتهاكات المتواصلة من قبل العدو الصهيوني، وتنفيذ عمليات قصف جوي لمواقع وقواعد عسكرية وأمنية ومنشآت تابعة للنظام ولإيران وحزب الله، التي قاربت خلال عدة سنوات 300 غارة، لا تقابل إلا بالتنديد والشجب والصخب الإعلامي بالتصدي لها !

وخلال الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد، استيقظ العالم على خبر زيارة مفاجئة وخاطفة ، استمرت 3 ساعات ونصف الساعة، قام بها ترمب وزوجته، الى القاعدة العسكرية الأميركية في العراق “عين الأسد”، بدون علم الحكومة العراقية ، تشبه تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين، إلى قاعدة “حميميم ” الروسية في سوريا دون علم النظام ، وتم استدعاء الرئيس بشار الاسد الى القاعدة ، لمقابلة "الوصي" وصاحب القرار الأول فيما يتعلق بالازمة السورية !

ولم نسمع أن ايران التي تشكل ضلعا أساسيا لـ ”محور المقاومة والممانعة”، وتتمتع بنفوذ سياسي وأمني واسع في العراق تصدت لزيارة ترمب لقاعدة "عين الأسد"، أو رمت حجراً على القواعد الأميركية في سوريا !

Theban100@gmail.com