تكمن أهمية التربية الوطنية في تكوين شخصية المواطن الواعي، الذي يؤدّي واجباته ويمارس حقوقه، في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، ثم ان التربية الوطنية تأتي انطلاقاً من كونها عملية متواصلة لتعميق الحسّ والشعور بالواجب تجاه المجتمع والوطن، وتنمية الشعور بالإنتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوّة والتفاهم والتعاون والتعاضد بين المواطنين جميعا، واحترام النظام والتعليمات، كما تُعرِّف التربية الوطنية النشء بمؤسسات وطنهم، ومنظماته الحضارية.

والتربية الوطنية تحقق أهدافها عندما تنجح في تعزيز الاستقلالية الذاتية في شخصية المواطن من خلال تفاعله وانخراطه في المجتمع وكذلك مشاركته بالأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والمحاضرات والندوات والمؤتمرات وغيرها.

ونستطيع القول أن مرحلة التعليم الجامعي تشكّل إحدى المحطات الهامة في تكوين شخصية الطلبة الأكاديمية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويُفترض في الجامعة كمجتمع تربوي أن يتعرف ويتعايش الطلبة فيها معنى الهوية الوطنية والمواطنة ومفاهيمها وأبعادها ومتطلباتها والتزاماتها، ويتضح دور الجامعات في مجال التربية الوطنية من خلال إعداد الكوادر اللازمة لرفد الوطن بشكل يتناسب مع احتياجاته ومتطلباته، وتجذير وتنمية القناعات الإيجابية التي اكتسبها المواطن على أساس عقلاني، وتجسيدها في سلوكه العملي.

تكمن اهمية التربية الوطنية في تنمية المعرفة السياسية عند الطلبة من خلال تفعيل الديمقراطية في بيئاتهم التعلمية والاطلاع على مفاهيم حقوق الإنسان والتعريف بالمؤسسات السياسية والاجتماعية والتنوع الثقافي والتاريخي، وتنمية القيم والاتجاهات التي يحتاجها المواطن ليكون مسؤولاً صالحاً وناجحا في حياته، ويتم من خلال اكتساب الاحترام والقيم المجتمعية ونبذ الخلافات، وحثّ الطلبة على المشاركة الفاعلة من خلال إكسابهم مهارات واساليب المشاركة في حياتهم الدراسية بشكل خاص والحياة العامة بشكل عام، ومن خلال تزويدهم بفرص تطبيق مبادئ الديمقراطية بشكل صحيح وسليم.

ان التربية الوطنية الفاعلة تتحقق عندما يتم دمج الطلبة في قضايا وموضوعات الوطن، فلا يمكن اعتبار كتاب التربية الوطنية هو الوحيد الذي يساعد على إيجاد المواطنة الصالحة لدى الطلبة، بل لابد من ربط النظرية بالتطبيق وصولاً إلى تحقيق أهداف التربية الوطنية والتي يأتي بمقدمتها المشاركة الاجتماعية والسياسية، كما أن الهوية الوطنية يجب أن يتمثلها المواطن من تلقاء نفسه، حيث يتضح أن هناك أزمة يعانيها الفكر التربوي الأردني تتمثل في ضعف قدرته على تعزيز مفهوم المواطنة الصالحة لدى المواطن.

وحتى نعزز المواطنة ونجذر الهوية الوطنية لا بد ان يكون لدينا قدر عالٍ من الديمقراطية يفسح المجال أمام احترام حقوق الانسان والحريات العامة، ليتم تبنّي ثقافة المشاركة السياسية وتعزيزها، والتي تقوم اسسها على شعور واقتناع المواطن بقدرته على التأثير في مجريات الحياة السياسية، ثم المشاركة السياسية بمشاركة أغلب المواطنين على الأقل بوعي وإيجابية في صياغة السياسات والقرارات واختيار الحكام وأعضاء المؤسسات التمثيلية على الصعيدين المركزي والمحلي.

وتُعرّف المشاركة السياسية بأنها تلك الأنشطة الإدارية التي يقوم بها أفراد مجتمع معين بغية اختيار حكامهم، والمساهمة في صنع السياسة العامة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر كما ان التسامح الفكري يُسمح لكافة الآراء والتوجهات بأن تعبّر عن نفسها دون قيود طالما أنها لا تشكل تهديداً لنظام المجتمع العام، وأن يسود اقتناع عام بأن اختلاف الآراء وتعددها هو ظاهرة صحية مطلوبة، ثم توفّر روح المبادرة لدى الأفراد سواء لمناهضة الظلم والطغيان أو للمشاركة في الجهود الإنمائية.

اما الشعور بالثقة السياسية بالنظام السياسي، فأنها تؤدي الى ثقة متبادلة بين المواطن والنظام السياسي، وبين المؤسسات السياسية بعضها ببعض؛ حيث أنه بغير هذا الشعور ستنتاب المجتمع حالة من الفردية التي يصعب معها وجود مناخ صحي للتنافس السياسي الذي يشكّل جوهر الثقافة السياسية المشاركة، حيث أن الثقافة السياسية المشاركة تقوم على ركيزتين أساسيتين، هما: حقوق المواطنة، والمشاركة في صنع القرار، وكلاهما تعتمدان احترام حقوق الانسان، وهما جوهر المواطنة التي يجب تدعيم جذورها في الأردن، وبعكس ذلك فإنه كلّما زادت درجة الانفراد في اتخاذ القرار فإن دور المواطن يتضاءل في مجتمعه، ويصبح المواطن مهمّشاً، ويفتقر إلى الشعور الذي يحفظ له عزّته وكرامته، و بفقدانه لهذا الشعور قد يفتقد شعوره بالانتماء والولاء والثقة، وعليه فإن الثقافة السياسية الواجب تدعيمها لدى المواطنين لتعزيز هويتهم الوطنية هي الثقافة السياسية المشاركة؛ لأنها ثقافة تركّز على احترام حقوق الانسان والمشاركة في صنع القرار، وهي التي تؤسّس لدولة المؤسسات واحترام سيادة القانون وتعزّز من وجود مجتمع مدني متنوّع ومتجانس.

وجلالة الملك عبد الله الثاني ركز على ترسيخ قيم ومبادئ المواطنة الفاعلة باعتبارها أحد مقومات الدولة المدنية الحديثة، موضحا في رؤيته الإصلاحية لأردن المستقبل الذي نريد، وذلك جنباً إلى جنب باهتمامه بترسيخ مبادئ الديمقراطية، إيماناً منه بأن للمواطنين حقوقاً يجب أن يتمتعوا بها، مقابل أن عليهم واجبات يجب أن يؤدوها، بغض النظر عن جنسهم رجالاً أو نساء، أو عقيدتهم أو فكرهم، وهذا ما أكده جلالته في اغلب خطبه، حيث قال: "لا بد من الاتفاق على أن الشعور والقناعة بالانتماء لهذا الوطن هو الذي يحدد الهوية الوطنية للإنسان، ويحدد حقوق المواطنة وواجباتها، بغض النظر عن خصوصية المنابت والأصول، أو المعتقدات الدينية، أو التوجهات الفكرية والسياسية... فنحن جميعاً على هذه الأرض الطاهرة، أسرة واحدة، مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات".

كما أن جلالة الملك عبدالله الثاني اعطى من خلال الاوراق النقاشية مفهوماً أمثل للمواطنة الفاعلة، بين فيها أن المواطنة ليست ولاءً عاطفياً وانتماءً للوطن فحسب، بل هي انتظام عام له محدداته وأبعاده في حياة الناس، تمتد إلى حقيقة المساواة في الحقوق والواجبات، وإعلاء قيم الحرية والهوية الوطنية الواحدة، مبينا أن للمواطنة الفاعلة دوراً محورياً في المجتمع الديمقراطي الذي يسير إليه الأردنيون، وهذا ما يتطلب من جميع الأردنيين المبادرة للمشاركة في قضايا وطنهم بالرأي والفكرة والكتابة والاعتراض، بشكل بناء بعيداً عن الاحتجاج والتشكيك والرفض لذاته فقط.

ويرى جلالته أن مشاركة المواطن الأردني في الشأن السياسي لا تكون ذات أثر ايجابي إلا إذا كان يؤمن بـ "المواطنة الفاعلة"، التي ترتكز هنا على ثلاثة أسس، وهي: حق المشاركة، وواجب المشاركة، ومسؤولية المشاركة.....حمى الله الاردن في ظل صاحب القيادة الهاشمية جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ورعاه.