سرّ شلالات الدم القطبية

تشتهر منطقة وديان «ماكموردو» القطبية بما يعرف باسم «شلالات الدم»، بسبب تدفّق أكسيد الحديد ذي اللون الأحمر القاتم على سطح الجليد من المياه المالحة، مما يعطي المنطقة مظهراً مشابهاً لشلالات تتدفّق دما.

وتقع هذه الشلالات الحمراء بين ضفاف نهر تايلور المتجمد في هضاب ماكموردو الجافة في أرض فكتوريا شرق القارة القطبية المتجمدة أنتاركتيكا، حيث يعود فضل هذا الاكتشاف إلى الباحث الجيولوجي توماس قريفيث تايلور منذ سنة 1911، ومنه أخذ نهر تايلور تسميته.

ويتكوّن نهر تايلور من خمس طبقات جليدية تنساب ببطء شديد جدا، فقد اعتقد العلماء سابقاً أن سبب اللون الأحمر القاتم عائد إلى وجود نوع من الطحالب الحمراء التي تسبّب هذا اللون الدموي المثير، لكن البحوث المستمرة في هذا الميدان نفت هذه الفرضيات.

العلماء كانوا يعتقدون أنّ سبب اللون الأحمر القاني عائد إلى وجود نوع من الطحالب الحمراء التي تسبب هذا اللون الدموي المثير. وثبت، في وقت لاحق، اللون الأحمر للشلالات يعود فقط إلى أكسيد الحديد الذي يتكون جراء تفاعلات أكسدة بين عناصر معينة موجودة في المياه شديدة الملوحة بالمنطقة.

وقد كانت هذه العناصر مخزنة ومعزولة في جيوب ينعدم فيها الهواء والضوء منذ خمسة ملايين سنة، حين كانت المياه أعلى من مستوياتها التي هي عليها حالياً. فتح هذا اللغز نافذة لبحوث علمية عديدة، يحاول العلماء من خلالها الإجابة عن مختلف التساؤلات المتعلقة بهذا النوع من الحياة المعزولة تماماً عن العالم المحيط بنا.

واكتشف العلماء أن المحاليل الملحية الموجودة تحت وديان ماكموردو تشكل طبقات واسعة من المياه الجوفية هناك تحت الأنهار الجليدية والبحيرات وداخل التربة المتجمدة بشكل دائم، وأنّ هذه المحاليل الملحية تؤدي دورا رئيسيا في العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الوديان الجافة.

ويأمل العلماء في أن تلقي هذه البيانات الجديدة الضوء على إمكانية وجود ظروف مشابهة لمثل هذه التكوينات والبيئات في أي مكان آخر داخل المجموعة الشمسية. فالوديان الجافة، علاوة على كونها موطنا للكائنات المجهرية والنباتية، فإنها تشبه إلى حد ما، خلال فصل الصيف في القطب الجنوبي، الظروف نفسها الموجودة على سطح المريخ.

معنى الصداقة

كان يا ما كان

كان في مدينتنا قديما ثلاثة أصدقاء، طبعوا على الوفاء والتسامح والإخلاص. وكان كلّ واحد منهم يمدّ يد المعونة في حال عوزه أو فقره. كما كانوا لا يفارق الواحد منهم الآخر. فمجالسهم واحدة، وسهراتهم واحدة، وأكثر أوقات فراغهم يقضونها معا.

وكان واحد من الثلاثة ميسور الحال، أقبلت عليه الدنيا، رغيد العيش، إلا أنه كان لا يحب أن يعيش هكذا وحده دون صديقيه. فغالباً ما كان يمدّ لهما يد المساعدة من غير منّة أو كدر. وكان الصديقان لا ينسيان معروف صديقهما. فما إن يتوفر لدى أحد منهما المال حتى يعيده إلى ذلك الصديق الغني الميسور.

غير أن هذه الأمور غير ذات قيمة أمام العاطفة التي كان يظهرها كل منهم للآخر إذا ما أصيب بمرض أو مرّت عليه فترات حزن أو مصاعب. وهنا تعرف الصداقة عندما يبتعد الصديق عن أنانيته وحبه لذاته ويكون وفيّا ودودا لصديقه. وبما أن الصديق الميسور لم يكن بحاجة إلى البحث عن عمل ليحصل رزقه، فقد بقي في هذه المدينة. أمّا صديقاه فودّعاه في يوم، وسافر كل منهما إلى مكان يسعى فيه وراء الرزق الحلال الشريف.

كان الوداع مؤثّرا. ثلاثة أصدقاء يودع الواحد منهم الآخر بعد أن عاشوا معا فترة طويلة، وكل منهم يشعر أنه جزء من الآخر.

بقي الصديق الميسور في المدينة، وكان على غناه مبذراً، فظل ينفق دون أن يقيم وزنا لما لديه من مال، حتى قلّ ماله، وتبدّل الزمان معه، فانتقل من غنى إلى فقر، وباتت عائلته بحاجة إلى المال لتسدّ حاجة طعامها وكسائها. ولكن من أين يأتي الصديق بالمال؟ فصديقاه الآخران قد رحلا، وليس له غيرهما في المدينة. فأمضى أكثر أوقاته حزينا يعاني ألم البعد وحسرة الفقر والحرمان.

وفي يوم قالت له زوجته: لماذا لا ترسل يا حامد رسالة إلى أحد صديقيك تخبره فيها مدى حاجتك إلى المال؟

فقال حامد: إني أشعر بالخجل كلما فكرت في أمر كهذا.

فقالت الزوجة: غير أنك كنت تساعد كلا منهما في حالة ضيقه، ومن غير أن تشعره أن لك عليه منّة، والصديق عند الضيق.

وراحت زوجته تلحّ عليه حتى أقنعته، فبعث برسالة إلى أحد صديقيه يطلب فيها بعض المال.

وصلت الرسالة إلى الصديق وحزن حزنا شديدا لحالة صديقه حامد، فأرسل إليه فوراً مبلغاً كبيراً من المال. ومرّت الأيام وإذا بالمال يصل إلى حامد، فيتسلمه مسرورا مقدّرا صنيع صديقه معه مؤكدا لزوجته أن صديقه وكما قالت له، وفيّ له كل الوفاء.

غير أن المال الذي وصل إلى حامد لم يبق طويلاً لديه، إذ وصلته رسالة من صديقه الثاني يشكو له فيها قلة عمله، وحالة فقره وعوزه، ويطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال لأنه في غربة لا يعرف الناس فيها بعضهم بعضا.

رقّ قلب حامد على حال صديقه وأرسل إليه كل المال الذي كان قد تسلمه من صديقه. وعاد حامد إلى ما كان عليه من حاجة، وعادت عائلته تعاني ما تعاني من الجوع والفقر.

في هذه الأثناء، تقلبت الحال مع صديق حامد الذي طلبت زوجته أن يرسل إليه رسالة يطلب فيها مساعدته. فكتب إلى الصديق الثاني الذي لم يجد عملا في غربته يطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال.

وكان الصديق الذي لم يجد عملا بعد قد تسلّم المال من حامد. وما إن وصلت إليه رسالة صديقه حتى أرسل إليه كل المال الذي تسلمه من حامد. وعندما وصل المال إليه وجد أنه المال الذي سبق له أن أرسله إلى صديقه حامد.

وهنا ترك المكان الذي يعمل فيه وعاد إلى المدينة وزار أول من زار حامداً.

وفوجئ حامد بعودة صديقه. فكان لقاء من أطيب ما عرفه الصديقان من لقاءات، وقال الصديق لحامد: أتعرف ما وصلنا من صديقنا البعيد؟ وصلني المال الذي أرسلته إليك.

وهنا عرف الصديق ما فعله حامد بالمال، فأكبر فيه صداقته، كما أكبرا معا صداقة صديقهما الغائب.

ومرّت فترة قصيرة، وعاد الصديق الغائب إلى المدينة. وكانت حال كل منهم قد تحسّنت، فعادوا إلى الحياة التي عاشوها من قبل. وهكذا عرفت فيهم هذه الدنيا مثال الصداقة والنبل والوفاء.