دكتور كميل موسى فرام

الدراسة في جامعة القاهرة لها نكهة خاصة يصعب وصفها وهي حلم كان يراود أبناء جيلي على الأرض الأردنية والعربية ومن قبلنا في القرن الماضي قبل أن تصبح كلية الطب في الجامعة الأردنية تستقطب الطلبة لأسباب عديدة، بل ويمكنني تعميم ذلك على مختلف كليات الجامعة فقد كانت الدراسة محصورة بين الجامعة الأمريكية في بيروت، جامعة القاهرة، جامعة الاسكندرية وعين شمس، جامعة دمشق، وجامعة بغداد، وبحكم بداياتي الجامعية فيقيني أن لمصر مكانتها في جميع النواحي الحياتية بما فيها العلمية،

واقع جعل أغلب الخريجين الذين أسسوا الخدمات الطبية في الأردن وأولئك الذين افتتحوا الكليات الطبية، حيث أن نهر النيل العظيم قد ساهم بتميز الدولة المصرية وعبارته المشهورة من شرب من ماء النيل سيعود اليه واقع لا يمكن انكاره، واعتبار مصر حاضنة الفنون والغناء العربي بما لها من تاريخ وأصالة، الطبيعة الفطرية الايجابية لمكونات الشعب المصري، جعلت من مصر محجا لمن يبحث عن الدراسة أو الزيارة، حتى اللهجة المصرية التي تعلمناها قبل الذهاب للدراسة هناك من مشاهدة الأفلام المصرية وسماع الأغاني، وهي مصدر حنين اليوم إضافة لمئات الأهرامات العلمية والأدبية التي ساعدت بتشكيل مكانة مصر، فحضور طه حسين وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم وغيرهم من الادباء يفرض سيمفونية أدبية يصعب مقارنتها، ووجود كوكب الشرق والعندليب الأسمر وسندريلا الشاشة وسيدة الشاشة أمثلة خالدة على التميز والقيادة، وأما السمعة الطبية لخريجي الجامعات المصرية في القرن الماضي كانت سببا لتجعل من مصر قبلة الدراسة الأولى للأوائل من أبناء بلدي حيث نهلوا من هناك وعادوا الينا بما ينفع ويشفي.

استطاعت الذاكرة في حلقات سابقة وفي هذا المكان استنباط ذكريات جامعية وأفرجت عنها من قائمة الحفظ كتاريخ لتجعلها واقع اليوم فنقارن بين حياتنا كطلبة في الدراسة الجامعية وبين حياة أبنائنا، وربما في ساعات التجلي للكتابة يقفز بمقدمة الدماغ حكاية وموقف تستحق الذكرلأنها في النهاية تجربة ونقطف منها عبرة خصوصا عندما نحاول العودة لذكريات الدراسة الجامعية في القصر العيني والتتلمذ على أيدي جهابذة العلوم الطبية العربية بمختلف اختصاصاتها، ففي كل فرع من علوم المعرفة يمكنني تسمية أكثر من علاّمة وطبيب متميز في حقل الاختصاص بل يمكنني القول بوجود قائمة من العشرات الذين كان لهم الفضل بما نحن فيه اليوم، فحضارة عمرها يزيد عن خمسة آلاف سنة ستهدي للوطن والعالم نخبة فذة تجمع العبقرية والذكاء بالشكل الذي يؤهلها لمركز الصدارة، على أن أذكر من باب الأمانة فضل تلك النخبة من العلماء الأفاضل الذين هاجروا لبلاد الغرب لضروف واسباب فكان عطاءهم وفضلهم على العلوم الطبية بما ساهموا من مخترعات وطوروا جزءاً يسيراً من الممارسات الطبية، وربما من الظلم أن أتبرع بتسمية البعض وحصر ذلك لأن التميز كان في جميع صنوف الاختصاصات الطبية والعلوم الأساسية، فمن منا مثلا وأي كانت جامعته لم يدرس من كتب العالم الجليل محمد الرخاوي رحمه الله، أستاذ علم التشريح وصاحب البصمات باكتشاف جزيئات تشريحية لم تذكر من قبل بالمراجع الطبية، استطاع بجهده تأليف كتبه في علم التشريح بدرجة من المقارنة مع المراجع المتوفرة والمعروفة، كما أن محاضرته بصمت رهيب في المدرج، يسترسل بالشرح باسلوب تشويقي ممزوج بالنكتة المصرية الحاضرة التي تحتل مساحة حتى اليوم، وأذكر على سبيل المثال محاضرته عن الصفات الوراثية وطريقة تناقلها بين الأجيال والمحافظة عليها، ومحاضرته المميزة عن الأعصاب الدماغية الإثني عشرة والتي يجب مرورها بمحطة الغدة تحت المهاد إلا واحدا وهو العصب الشمي الذي يستطيع نقل السالات العصبية للدماغ مباشرة وتلقي أوامر التنفيذ، كحال مجلس الوزراء وضرورة مرور الوزراء على سكرتيرة رئيس الوزراء لأخذ الإذن بالدخول إلا الوزير المختص بنقل الشائعات الذي يمكنه الدخول من الباب الجانبي، ومن منا لم يقرأ عن تعديلات النظريات الجراحية للعالم الاستاذ الدكتور أحمد شفيق علي خصوصا العمليات المتخصصة بمنطقة الشرج، وحضوره يفرض رهبة الصمت والاستماع خصوصا بمشاهدة وردته الحمراء في جيب جاكيت البدلة الأمامي، وساعته الثمينة في جيب خاص ومن منا لم يستمتع ويقرأ مؤلفات الاستاذ الدكتور عباس الشربيني في علم النسائية والتوليد حيث يدلفها محببا الطلبة بهذا التخصص الدقيق والصعب، ومن منا لم يحتفظ بكتاب الاستاذ الدكتور هاشم فؤاد (عميد كلية الطب لسنواتي السريرية) في اختصاص الأنف والاذن والحنجرة بما عرف عنه من اسلوب شيق ممتع خصوصا للمحظوظين الذين نالوا شرف حضور محاضراته وفي الصف الأول تحديدا حيث ينال هدية أو مكافأة، ومن منا لم ينهل من علم عائلة الأستاذ الدكتور مفيد ابراهيم سعيد بفرعيها الجراحي والباطني حيث الأخوة الزملاء أساتذة في كلية الطب بتخصصات مختلفة، ويهمني هنا أن أسجل بوجود سمة حميدة بتوريث الأبناء للتخصص حتى في الكليات الأدبية والهندسية، فهناك وراثة محببة على مستوى القصر العيني لتخصص الجلدية والتناسلية لعائلة الأستاذ الظواهري، تخصص الجراحة العامة لعائلة الاستاذ الدكتور محمد ابراهيم، تخصص الطب الشرعي لعائلة الاستاذ الدكتور علي عبد النبي، تخصص جراحة العظام لعائلة الاستاذ الدكتور عبد السلام الحمامصي، تخصص أمراض القلب لعائلة الاستاذ الدكتور ماهر يوسف وهناك المئات من الأسماء العالمية التي لا تسعفني ذاكرتي الآن بتدوينها ولكنهم أبناء مخلصون للقصر العيني حيث احتظنهم طلابا وأساتذة، فدرسوا ودرسوا حيث أجادوا وتميزوا، وها نحن اليوم نجود بما تعلمنا منهم بظروف وقتنا الحاضر على طلبتنا، رسالة حملناها أمانة وسنودعها كذلك بضمير من يستحقون لحملها والمحافظة عليها.

اسلوب الدراسة والتعلم في كلية طب القصر العيني لهما نكهة مختلفة، ولا أنكر أن تشكل شخصيتي الأكاديمية قد تأثر بالعديد من أساتذتي هناك وأساتذتي أثناء الاختصاص في الجامعة الأردنية وأستاذي المشرف على تخصصي الفرعي في جامعة سيدني- استراليا، وعودة على بدء الدراسة الجامعية حيث تجتمع أقطابها بعفوية الحضور والأداء، فالمرور التعليمي وبجميع أقسام الكلية والمستشفى يجمع بين الأساتذة الكبار أصحاب الخبرة مع مجموعة من أعضاء هيئة التدريس التي تتأهل لحمل الراية، مجموعة من الطلبة ومن مختلف الجنسيات العربية بأغلبية مصرية، تناقش على سرير الشفاء واقع السيرة المرضية للمريض بتسلسل يجعل الطالب يعتمد على استخدام معلوماته المخزنة في الذاكرة بهدف الوصول للتشخيص من أجل العلاج، ولا أذكر أن استخدام أصناف الفحوصات المخبرية والتصويرية المتوفرة كان يحتل مقدمة وأولوية، فكلمات عالم الجراحة المتميز نبيل عبد العظيم ما زالت عنوان الممارسة حتى الساعة عندما أخبرنا أن الطبيب الناجح « يكون إما لّقيط أو مش لّقيط» ويعني بضرورة احتلال التشخيص الأقرب والتشخيص المتباين لقائمة البحث والتركيز من واقع السيرة المرضية، بل وهناك برقية تقرأ كلماتها حتى الساعة «بوجود سيدة تأكل وتعرق ولا تكسب الوزن المناسب مع رجفة مرافقة بالأصابع» ليكون التشخيص فرط وظيفة بالغدة الدرقية مثلاً. هناك حقيقة فخر بأن كل زاوية وردهة وممر وعنبر من تلك الموجودة بالقصر العيني هي شاهد على عظمة المكان وعطائه من خلال نخبة من أبنائه الذين كل بمفرده هو هرم رابع يضاف لأهرام مصر التي تميزها، وربما البناء والتحديث على انجاز الذين سبقوا أعطى للدراسة هناك نكهة مختلفة غير تقليدية، فالمعلومات الطبية محتضنة بالكتب والمراجع بإختلاف لغاتها، ولكن الربط الواقعي بين معلومة الكتاب ووجود المرض على الطبيعة بمختلف أعراضه وعلامته السريرية يجعل من المعلومة صورة ترسخ في زوايا الذاكرة ويمكن الاستئناس بها في أي وقت، حتى الهيبة بين الأساتذة في القصر العيني مختلفة وربما هناك اعتقاد أن كل منا قد تمثل بشخصية واحد من هؤلاء، بالرغم أن عدد الطلبة في الدفعة الواحدة في منتصف سبعينات وثمانينات القرن الماضي كان يتراوح بين 1200 إلى 1400 طالب وطالبة من مختلف الجنسيات، ولكن وجود العديد من المستشفيات تحت مظلة كلية الطب بالآضافة للمستشفى الأم لا يشعر الطالب بوجود إزدحام يحول دون الفائدة التي يتمناها، فهناك المستشفى المتخصص للأطفال وهناك المستشفى المتخصص للنسائية والتوليد وهناك المستشفى المتخصص للأمراض الباطنية إضافة للعديد من المعاهد التعليمية الملحقة ضمن دائرة الاختصاص، وقد تصادف أن سنواتي الدراسية السريرية كانت برعاية عميد عبقري علميا وفذٍ إداريا، وفي شخصيته لغز يصعب مناقشة فقراته عن قدرته على التوفيق بين أدائه الأكاديمي، وواجبه الإداري في كلية ممتدة، وحضوره الشخصي أو من خلال فريق مدرب لجميع الفعاليات والنشاطات، وعمله كطبيب تحتاج لفترة انتظار لرؤيته ليعطيك حقك بسماع الشكوى والفحص وإجراء العملية الجراحية إن لزم الأمر، يطبع كتابه المتجدد سنويا على نفقته ويوزعه مجانا للطلبة، صارما في المواقف التي تحتاج للشدة وصاحب بديهية بالنكته التي تدخل السعادة لقلوب الحضور ليكون السؤال الذي يناقش وكيف يجد الوقت لهذا الأداء؟ لقد حارب بعنف مصطلح الدروس الخصوصية وفرض رقابة على الحضور للفائدة من خلال متابعته لجميع عناصر العملية التعليمية متعهدا بتوفير وجبة علمية يومية ضمن ساعات الدوام الممتدة، بشكل يجعل من الجدول الدراسي اليومي يخلو من وجود فترة زمنية تسمح بدرس خصوصي وفي هذه الجزئية الجامعية هناك مواقف وذكريات لا يمكن حصرها لأن عقوبة الحرمان من التقدم لامتحان المادة قرار فردي سهل يتخذ ولا يمكن مناقشته، فمشروع الطالب كطبيب لا يحترم الأنظمة والقوانين لن يكون طبيبا حريصا على المريض، تعهد بالقضاء على نظرية «من دخلها فهو آمن بالتخرج» ليحافظ على السمعة المميزة لخريجي كلية الطب بالجامعة الأم ويقيني من خلال مشاهداتي ومتابعاتي بأنه حقق الهدف بأربع سنوات من العمادة، وهنا نذكر للعالمية السير مجدي يعقوب/ جراح القلب رقم واحد في العالم، يحي الرخاوي أستاذ علم النفس على مستوى كمثال على براعة الخريجين وعالميتهم.

الدراسة بكلية طب القصر العيني وحمل الشهادة الجامعية الأولى مثلت يوم ولادتي الثاني حيث أحتفل ومنحتني دقة العمل بفخر وثقة لأنها الأساس لهيكل شخصيتي الخلافية وربما أحتاج لتدوين وتوثيق جزء آخر من واقع الحياة الشخصية التي تمشي بالتوازي في تلك الفترة الزمنية بالرغم من وجوب الحذر بسرد فقراتها لأنها بجزئية منها السنوات الأجمل التي لن تعود وأعيش على جزء من أحداثها وللحديث بقية.