تخلَّ عن رغبتك في القيام بالأمور على أكمل وجه وتحرّر من الاتّهامات الذاتيّة التي تطلقها على نفسك إذا لم تفعل ذلك.

إنها أسرع طريقةٍ لتحقيق السعادة الفعليّة وبلوغ كامل إمكاناتك.

في مرحلة الطفولة، لطالما راود ندى حلم بأن تصبح رسّامة. كانت تملأ هوامش أوراق المدرسة بالزخرفات وتنفق أموالها المخصّصة لمعرض الكتاب على ملصقات الفنون الجميلة. تقول: «كان أفراد عائلتي يعتقدون أنّني سأصبح رسّامة رائعة عندما أكبر».

عندما بلغت 13 عاماً ثمة ما أوحى لها بأمر آخر. تقول: «كنت في صفّ الرسم وطلبت منّا المعلّمة رسم أشجار. نظرت من حولي فرأيت أنّ رسوم الجميع رائعة لكنّ شجرتي مجرّد خربشة». راحت تفكّر في نفسها: «الواضح أنّني لست رسّامة ولن أكون يوماً جيّدة بما فيه الكفاية، فلماذا أحاول حتّى؟». عندئذٍ أغلقت علبة أقلامها ولم تعد إلى شغفها طوال 15 عاماً.

تماماً كما حصل مع ندى، يشكّل خوفنا، بل رعبنا، من أن نكون أقلّ من مثاليّين معوقاً في حياتنا. في بعض الأحيان، نسهو في اجتماعٍ عن أمر مهمّ، أو نصرخ على أولادنا في الملعب ثمّ نمضي اليوم بأكمله (أو الأسبوع) نلوم أنفسنا على ما فعلناه.

بالنسبة إلى البعض، يتغلغل طلب الكمال في جوانب حياته كافّة: هو يريد أداء ممتازاً، وهي ترفض الحصول على أظفار غير مقلّمة.

بحسب الخبراء، تقتصر الرغبة في الكمال أحياناً على مجال معيّن، فنحمّل أنفسنا عبء استيفاء معايير مستحيلة في عملنا مثلاً أو تربية أطفالنا، ولكن ليس في المجالين معاً. في الحالتين، يشكِّل الهوس بالوصول إلى المثاليّة خلطة فاعلة للدخول في نفق التوتّر. عليك أن تعرف أن بيت الدمى منحوت بطريقة مثاليّة، أمّا في الواقع فتضيق الأمور إلى أقصى الحدود. وكلنا نستحق مزيداً من الحرية.

المشكلة الحقيقيّة مع الأخطاء:

أوّلاً، لنتّفق على التالي: نشعر بسوءٍ كبيرٍ إذا أخطأنا، لو مهما كنّا واثقين في أنفسنا. وجدت الدراسات أنّ «الألم الاجتماعي»، الذي يصيبنا حين نشعر بالإذلال، ينشّط الحلقات ذاتها في الدماغ كما الألم الجسدي، خصوصاً لدى النساء. والأمثلة كثيرة في هذا المجال.

اعتدنا الحفاظ على الروابط الاجتماعية لأنّنا نرغب في إرضاء الناس غالباً. نستمع إلى آراء الآخرين لنحدّد موقفنا من أنفسنا، ونعتبر أنّهم لن يحبّونا بالقدر ذاته إذا اكتشفوا عيوبنا. في هذا المجال، طلب باحثون بريطانيّون إلى رجال ونساء أن يحتسبوا الأخطاء التي قاموا بها في عملهم، فتبيّن أنّ الرجال يميلون إلى تلاوة قصص «أنيقة»، لا تتضمّن سوى قليل من الوصف فيظهرون بصورة جيّدة (يقولون مثلا: «على الأرجح كانت فكرتي سابقة لأوانها»). أمّا النساء فرحن يخبرن قصصاً فوضويّةً ولُمْن أنفسهنّ وشعرن بالسوء سنوات عدة. كذلك وجدت دراسة تابعة لجامعة هارفارد أنّ كثيراً من النساء غيّرن اختصاصهنّ حين لم يحصلن على علامة امتياز في صفّ «المدخل إلى الاقتصاد»، مقارنةً بالرجال الذين حصلوا على بداية أقلّ من ممتازة.

كذلك تدخل الأمومة في الإطار نفسه. هي تجربة صعبة وجميلة في آن، وتغذّي وحش الرغبة في الكمال. تشعر الأمّ بالضغط لتستوفي المعايير المستحيلة في تربية طفلها. ثمّة أمّهات يعترفن بأنّهن وضعن عبئاً كبيراً على أنفسهن حين أنجبن. وقالت إحداهنّ عن طفلها: «ظننتُ أنّني إذا رفعت صوتي أو لم أعلّق على كلّ كلمةٍ يقولها، فإنني بذلك أخذل واحداً منّا بطريقةٍ أو بأخرى. كلّ يوم أطعمه وأعانقه وأحمّمه وأشجّعه لكنّني لا أركّز سوى على أنني صحت في وجهه ذات مرة بعد نوبة غضب». يؤكّد الخبراء أنّ الأهل سيخطئون كثيراً، لكن إذا رأت المرأة أنّ كلّ خطأ تقترفه يشكِّل فشلا ًفي دورها كأمّ، فإنها حتماً تضر بذلك صحّتها العقليّة.

لكنّ منشد الكمال في داخلك يشدّد على ما يلي: ألا يسمح لك التمسّك بمعايير عالية بالتفوّق؟ تأمّل بالجواب الدفاعي الذي تتسلّح به دائماً خلال مقابلات العمل: أكبر نقطة ضعفٍ لديّ؟ رغبتي المستمرّة في الوصول إلى الكمال! في الواقع، تعتبر المماطلة والكماليّة متشابهتين غالباً. ويقول أطبّاء علم النفس إنّ خشيتك من ارتكاب خطأ تُشلّك. تكتب يوميّاتك وتبدأ بـ«بدوت غبيّاً»، لكنّك سرعان ما تمحي جملتك. أو تقلق من عدم قدرتك على متابعة سباق الخمسة كيلومترات فلا تجرؤ على المشاركة به بالأساس. صحيح أنّك لم تفشل، ولكن هل أنت سعيد؟

المتعة في الفشل:

ماذا لو لم تكن الأخطاء أمراً فاضحاً، بل حبكة توصلنا إلى شيءٍ آخر؟ حسب الخبراء، طوّرنا بطريقةٍ أو بأخرى إيماننا بالكمال التلقائي. إذا التمست نجاح شخص آخر، افترضت أنّه موهوب بالفطرة للقيام بهذا الأمر ولا ترى الجهد الذي بذله ليصل إلى ما هو عليه. لذا يقع على عاتقنا جميعاً أن نجعل النجاح يبدو صعباً وليس سهلاً. هذا درس تعلّمه كثيرون من خلال منعطفات مرّوا بها في حياتهم. مثلاً يقول المحامي سامي: «أنجزتُ أموراً كثيرة في حياتي. كنت المتفوّق في مدرستي ونلت جائزة أفضل طالبٍ. أتممت إجازتي في الحقوق وفي عمر 25 سنة. كنت محامياً صاعداً في شركة مهمّة، ثمّ أقنعت المسؤولين عنّي في العمل بالسماح لي بأن أصبح مدافعاً في مجموعة ضغط وأعمل على تشريعات نيابةً عن زبائن الشركة. ظننتُ أنّ هذا سيكون رائعاً».

لكنّه كره عمله الجديد. وشرح: «شعرت بأنّ كلمة «ضعيف» كانت محفورةً على جبهتي. كنت منهكاً وبائساً بعدما استنفدت قواي». رغم خجله، طالب بعمله القديم بعد مرور ستّة أشهر. مرّ عقدٌ واكتشف أنّ هذا التراجع كان نعمةً، قائلاً: «سامحني جميع زملائي في العمل، فالعالم استمرّ بالدوران ولم يتوقّف عليّ». واليوم أصبح يؤمن بأنّ الفشل شرّ ضروريّ لصياغة حياة مرضيةٍ.

تعتقد أنّ هذا الأمر مخيف؟ فكّر بهذا: بالنقص نتواصل وإلى الأصالة ننجذب. لذا نرتاح عندما نرى أنّ منزل الآخر تعمّه الفوضى أيضاً، أو شخصاً آخر يواجه انهيارات في التربية. كريستي مثلاً تعلّمت التركيز على الأمور الصحيحة التي تقوم بها كأمٍّ، ما خفّف توتّرها وزاد سعادتها في علاقتها مع أولادها الثلاثة. تكتب في مدوّنتها Mama Needs More Coffee لتلهم الأمّهات الأخريات باكتساب حالة «الزين» (اعتقاد بوذي يقول إنّ الإنسان يصل إلى الحقيقة بالتأمّل) من دون المرور بالسنوات الطويلة قبل الوصول إليها. وتعطي المثل التالي: «حضّرت النقانق للعشاء، مرّةً أخرى، لكنّني لا أعتبر هذا هاجساً».

التخلّي عن المثاليّة لن يحدث بين ليلةٍ وضحاها:

على مرّ السنين، كانت ندى تشتاق إلى الفنّ بالسرّ لكنّها كانت تؤمن بأنّه لا يحقّ لها محاولة العودة إليه ما دامت لا تتقنه. بعد زواجها، زيّنت الشموع المتبقّية بالأوراق الملوّنة لتقدّمها كهدايا العيد. وتعترف: «شعرت كأنّني غشّاشة لحظة دخلتُ المتجر الفنّي». لكنّها سرعان ما أمضت ساعة بعد ساعة تقصّ الورق على أشكالٍ متنوّعة، منهمكةً بما تفعله لدرجة لم تنظر إلى الأعلى. لتخفّف خوفها، أقنعت نفسها بأنّها تماطل هرباً من عملها الحقيقي.

بدأ أصدقاء ندى يطالبون بتصاميمها. واليوم أصبحت فنّانة ومستشارة للأفكار الخلّاقة وصاحبة كتاب The Creative Sandbox Way: Your Path to a Full-color Life (على طريقة صندوق الرمال المبدعة: طريقك نحو حياةٍ مليئةٍ بالألوان). تلجأ إلى موقعها الإلكتروني وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي لتثبت وجهة نظرها من خلال نشر أخطائها وتأكيدها أنّ الأخيرة تشكّل جزءاً مهمّاً من العمليّة الإبداعيّة (فالمشاريع المشوّهة تنال عادةً أكثر ردود الفعل حماسةً). تعترف بأنّها لا تزال تسمع أحياناً صوتاً في داخلها يقول لها: «لست جيّدة بما فيه الكفاية». لكنّها تعلّمت أن تعتبر هذه الكلمات منارة، تضيء الطريق أمامها لتخرجها من نطاق راحتها نحو ما عليها تجربته في خطوة مقبلة.

الاستسلام بالنسبة إليها هو القبول بوجود ثغرات في نسيج حياتنا. جميعنا سنخفق بطريقةما؛ لكننا نستطيع السيطرة على رد ّفعلنا. تُعتبر أهمّ أخطائنا، كالطلاق أو التعرّض للطرد من العمل، نقطة تحوّلٍ في حياتنا. نعيد النظر غالباً في تلك الأوقات ونعتبرها نقطة نموّنا بطرائق لم نألفها. في الواقع، عدم المخاطرة بارتكاب الأخطاءيشكِّل أكبر خطأ نرتكبه. فما هي الفرص الكبيرة أو الأحلام الجامحة التي تفوّتها لأنّك تخشى الفشل؟ لا تدع عدم المحاولة يكون أكبر أسفٍ تعيشه.

دليلك إلى عدم الكمال:

• فكّر بأسوأ سيناريو محتمل:

أخفقت في بعض الفقرات وأنت تستعرض مشروعك. لست راضياً عمّا قدّمت فحسب، بل شعرت بأنّك أوصلت العالم إلى نهايته. ينصحك الخبراء بإعادة رسم صورةٍ عن الواقع؛ اسأل نفسك: هل تقييمي دقيق؟ هل مديري سيطردني؟ هل أصيب بخيبة أمل بسببي؟ أبق سجلّات مكتوبة عن أخطائك وعواقبها كدليلٍ على أنّ النقص لن يكون يوماً سيّئاً بقدر ما تتصوّر.

•تولَّ أمراً أنت سيئ فيه:

إن كنت تخشى أن تبدو مغفلاً (وهذه حال معظمنا)، ينصحك علماء النفس باستكشاف هوايةٍ تجذبك كالحياكة (هواية فعلاً متواضعة) أو الزومبا، لكنّك كنت خائفاً من المحاولة. من ثم، ستبدأ بالتساهل مع الأخطاء، وتعتبرها جزءاً طبيعيّاً من عمليّة التعلّم.

•شارك أخطاءك مع الآخرين:

سترى حينها أن الأخطاء عاديّة وأنّ محيطك لا يحكم عليك بالسلبيّة التي تخشاها. في معظم الأحيان، سيقول لك أصدقاؤك: «يحصل لي هذا طوال الوقت! دعني أخبرك كيف أخفق!».

• اعطف على نفسك:

نسيت الذهاب إلى متجر البقالة في طريق عودتك إلى المنزل، وما من غداءٍ يأخذه أولادك معهم إلى المدرسة غداً سوى مكسّرات وزبدة الفول السوداني وموز قديم. بدل أن توبّخي نفسك وأنت تفكرين بعلبة الطعام التي سيحملها زملاؤهم، تحدّثي إلى نفسك كما لو كنت تتوجّهين إلى صديقة قامت بالخطأ ذاته، وقولي: «ليست مشكلة كبيرة، فالجميع يخطئ. ما زلت أمّاً رائعةً!».

• جد معنى لعمليّة التحضير:

إذا كان الاضطراب النفسي يسيطر عليك لأنّك تريد دائماً الحصول على امتياز في نتائجك، ستستنفد قواك. لذا اطرح هذا السؤال على نفسك: ما السبب الآخر الذي يجعلك تعمل بهذا الكدّ؟ أمّا إذا كنت تنتظر ضيوفاً في منزلك، فلا تتوتّر حول نظافة أصغر الزوايا كما لو كنت في مستشفى، بل فكّر كم ستستمتع بوقتك برفقتهم وكيف سيشعرون كأنّهم في منزلهم بفضل أصغر الجهود التي تبذلها.

•غيّر معادلاتك:

إذا كنت تعتقد أنّ عليك القيام بالمهام كافة 100 %، فاختر مهمّات غير أساسيّة وأنجز 80 % منها فقط، كأن تتخطّى بعض الفصول في كتاب تقرأه من أجل نادي القراءة، أو أن تشتري العجينة الجاهزة لتصنع فطيرة. حين ترى أنّ النتائج لا تزال جيّدة، تدرك كم أضعت وقتاً وطاقةً في التفاصيل غير المهمّة، محاولاً الوصول إلى الكمال، بينما كنت تستطيع الاستفادة منهما لتحقيق أمور مرضية أكثر.

خوفنا من أن نكون أقلّ من مثاليّين يشكِّل معوقاً في حياتنا