وليد سليمان



تحتفل بعض الطوائف المسيحية اليوم الجمعة بالحج الى منطقة المغطس في الاردن قرب نهر الاردن المقدس.

والمغطس هو ذلك المكان الذي تعمد به يسوع الناصري وكان عمره “30” عاماً على يد يوحنا المعمدان- النبي يحيى- حسب المعتقدات المسيحية الخاصة، وتشير إلى ذلك النصوص المسيحية على أن يوحنا المعمدان كان يبشر ويعمد في الفترة الأولى من بشارته هناك.

ويقع المغطس على بعد 9 كلم شمال البحر الميت ضمن منطقة تسمى قفرة قرب نهر الأردن في المملكة الأردنية الهاشمية، ويعد هذا المكان المسيحي وقفًا للتقاليد المسيحية، كما يمثل هذا الموقف مقصدًا للحجاج المسيحيين، وفي عام 2015 تمت الموافقة من قبل لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو على إدراج هذا الموقع الثقافي على قائمة التراث العالمي تحت مسمى “موقع المعمودية” المغطس - الاردن.

وقد صلى في منطقة المغطس منذ اكتشافه أربعة بابوات وهم: البابا بولس السادس عام 1964 والبابا يوحنا بولس الثاني عام 2000 والبابا بندكتس السادس عشر عام 2009 والبابا فرنسيس عام 2014.

فالغطاس هو عيد المعمودية التي بها يتوب الانسان عن خطاياه القديمة ويصبح انساناً جديداً.

والرمز الى هذه التوبة يكون من خلال تغطيس المعتمد في الماء وخروجه منه, وقد استخدم الماء بشكل خاص لأنه يرمز الى الاغتسال والنقاوة والطهارة .

ويتزامن عيد الغطاس عادةً مع بداية كل سنة ميلادية جديدة التي ابتدأ فيها المسيح التبشير بالملكوت والحياة الابدية التي بدأت بالتوبة .

وعن الانشاءات الحديثة التي يتم إعمارها في المغطس، قريبا من موقع العماد كنائس كثيرة من شتى أنحاء العالم، تسعى لأن يكون لها أديرة، وبيوت، ومباني كنائس في موقع المغطس.

وعن الكنائس المقامة في موقع المغطس فهي:

كنيسة الروم الأرثوذكس (كنيسة يوحنا المعمدان)، وقد افتتحت عام 2003م، ودير للروم الأرثوذكس، حيث يعتبر عبارة عن مجمع ديني شامل، وكنيسة الأقباط. وكنيسة الأرمن الأرثوذكس. وكنيسة اللاتين, وقد دشنها البابا بنديكت السادس عشر في زيارته للأردن في عام 2009م. وبيت الحج الروسي. وهناك الكنيسة الانجيلية اللوثرية التي بدء العمل فيها منتصف شهر آذار 2012م. وقريبا ثم المباشرة في كنيسة السريان الأرثوذكس. أما الكنيسة المارونية، فقد تم تخصيص 4 دونمات لإنشائها .

هذا وقد تم إعلان الموقع محمية تراثية دينية ، ووضع لها أحكام خاصة بمساحة 8,5 كيلومتر مربع. وتم الاهتمام بالموقع من جميع النواحي لتوفير البنية التحتية، والطرق، والخدمات، والمظلات الخشبية المغطاة بسعف النخيل لاستظلال السائح تحتها، أثناء تأمله، وتمرينه الروحي في المكان.

وتم إنشاء بركتين للتعميد، وتم تصميم الموقع بطريقة تتناسب مع البيئة المحيطة، للحفاظ على برية الموقع، وتمت زراعة أكثر من 1500 شجرة حرجية تنتمي للمنطقة، لإعادة بناء الغطاء النباتي للموقع.

ولخصوصية موقع نهر الأردن وقدسيته، فقد تم إنشاء مطلين خاصين على نهر الأردن، حيث تم إنشاء مظلة خشبية ومدرج تتناسب مع بيئة الموقع، يمكن الزائر من الوصول بسهولة إلى موقع النهر, بالإضافة إلى تجهيزات الساحة المطلة على النهر لاستيعاب أكبر عدد من الزائرين للموقع، وتم زراعة الساحة بشجر النخيل.

كما تم إنشاء مركز للمؤتمرات، لتقام به المؤتمرات ذات الصفة الدينية، وما يتعلق بحوار الأديان بين أتباع الرسالات السماوية.

وعندما زار البابا بنيدكت السادس عشر موقع المغطس في الاردن خلال زيارتة إلى الأراضي المقدسة عام 2009 كان ان كشفت الحفريات في المنطقة آثار كنيسة بيزنطية كانت قد بنيت في عهد الامبراطور آناستاسيوس.

كما يوجد في المكان عدة آبار للماء وبرك يعتقد ان المسيحيين الأوائل استخدموها في طقوس جماعية للعماد.

وقد قامت دائرة الآثار العامة الاردنية بترميم الموقع الذي زاره قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وأعلنه مكاناً للحج المسيحي في العالم . مع أربعة مواقع أخرى في الأردن هي: قلعة مكاور، المغطس ، جبل نيبو، مزار سيدة الجبل في عنجرة، مزار النبي إيليا في منطقة خربة الوهادنة .

و يتحدث إنجيل يوحنا (28:1) عن بيت عنيا عبر الأردن حيث كان يوحنا المعمدان يعمِد, ويشار هنا إلى عبارة «عبر الأردن» إلى الضفة الشرقية من نهرالاردن.

وفي إشارة إلى نفس الموقع على الضفة الشرقية يقول إنجيل يوحنا (4:10) أن السيد يسوع المسيح قد سافر أيضاً عبر الأردن حيث كان يوحنا المعمدان يعمد في البداية وذهب مرة أخرى إلى نفس المكان وأقام هناك.

وخلال الحفريات الأخيرة التي جرت في الأردن في عام 1997، تم العثور على سلسلة من المواقع القديمة المرتبطة بالموقع الذي كان يعمد فيه يوحنا المعمدان والذي تعمد فيه السيد يسوع المسيح . وتقع سلسلة المواقع هذه على امتداد وادي الخرار شرقي نهر الأردن.

وتم اكتشاف دير بيزنطي في موقع تل الخرار والمشار اليه باسم «بيت عنيا عبر الأردن» ويقع هذا الموقع على بعد حوالي كيلومترين (2ر1 ميل) شرقي نهر الأردن في بداية وادي الخرار.

وهناك عدة ينابيع طبيعية تشكل بركاً يبدأ منها تدفق الماء إلى وادي الخرار، وتصب في النهاية في نهر الأردن. وكذلك واحة رعوية تقع في بداية وادي الخرار وموقع تل الخرار يوجد ثلاث برك في تل الخرار، وتقع البركة الأولى في المنحدر الغربي السفلي للتل، وهي تعود للعهد الروماني، أي ما بين القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد.

أما البركتان الاخريات، فهما تقعان على قمة الطرف الشمالي لتل الخرار. والبركة الجنوبية مستطيلة الشكل ولها درج داخلي على الجهة الشرقية وأربع درجات تمتد على امتداد عرض البركة.

ويستطيع الحجاج النزول إلى البركة من اجل أن يتعمدوا, وهنالك بركتان مربعتان تعودان إلى نفس الفترة الرومانية. وقد أضيفت الحجارة المربعة المنحوتة إلى الزاوية الجنوبية الغربية للبركة الشمالية الغربية من فترات لاحقة. وربما كانت تستعمل كدرج للنزول إلى البركة. ويصل الماء إلى البرك بواسطة اقنيه مغطاة بالقناطر.

ويضم هذا الموقع الأثري الديني ، الذي يقع على بُعد تسعة كيلو مترات شمال البحر الميت، منطقتين أثريتين رئيسيتين هما تل الخرار، المعروف باسم «تلة مار إلياس» أو «النبي إليا»، ومنطقة كنائس «يوحنا المعمدان» قُرب نهر الأردن.

وعليه فقد وافقت لجنة التراث العالمية التابعة لليونسكو بعد ظهر الثالث من تموز 2015 على إدراج هذا الموقع الثقافي على قائمة التراث العالمي.

وقد جاء في الانجيل ان يوحنا المعمدان كان يلبس ثوبا غريبا من وبر الجمال, ويشد على وسطه حزاما من الجلد , ويقتات طعاما غير مألوف من الجراد والعسل البري .. فخرجت اليه جموع كثيرة ومنها القرى المجاورة لنهر الأردن فكانوا يتعمدون على يديه في مياه نهر الاردن معترفين بخطاياهم .

وكان يعظهم النبي يوحنا قائلاً : ( سيأتي من هو اقدر مني .. من لا استحق ان انحني لأجل رباط حذائه .. انا عمدتكم بالماء .. اما هو فسوف يعمد كم بالروح .. هذا ما جرى في بيت عنيا فيما وراء النهر حيث كان يوحنا يعمد التائبين.

وفي مكان آخر جاء في الانجيل : ( في تلك الايام جاء يسوع من الناصرة بمنطقة الجليل وتعمد في نهر الاردن على يد يوحنا , وحالما صعد من الماء رأى السموات قد انفتحت .. وفي الحال اقتاد الروح يسوع الى البرية شرقي نهر الاردن ، فقضى فيها اربعين يوما والشيطان يجربه وكان بين الوحوش , وملائكته تخدمه).

وهكذا فان عملية استخدام الماء في الغسيل والتطهر لتشبه الى حد ما عملية الاغتسال او الوضوء لدى المسلمين كعملية تطهر ونقاء ونظافة من أوساخ الجسد والنفس .. ثم للاستعداد لملاقاة الله والوقوف بين يديه بإخلاص وخشوع وتبتل ورجاء.

وهكذا سيظل المغطس في الاردن مكاناً روحيا لدى كل الناس لأنه يحكي قصة دين وأنبياء وتاريخ وجغرافيا وسياحة وآثار وعبادة وغفران.

فهذا الموقع الاردني العالمي مليء بالروحانيات.. و يستقبل في كل سنة عشرات الآلاف من الحجاج والزوار والسياح من شرق الارض وغربها في عيد الغطاس وباقي أيام السنة.