خالد عزب

هنا نقرأ تحولاً في أدوار المكتبات على الصعيد الدولي، فهي لم تعد أماكن لترفيف الكتب، بل صارت أداة لإنتاج المعرفة والبحث عنها وعما يحتاجه المجتمع، لذا رأينا عدداً كبيراً من المكتبات تتبنى برامج بحثية وتبني مراكز بحثية، لتقدم خدماتها عبر مواقع وبوابات رقمية للباحثين والجمهور والحكومات.

تبدو علي الساحة العربية معارض الكتب الفرصة الذهبية للناشرين والقراء للقاء وجها لوجه لكن الازمات الاقتصادية عصفت بقوة مع الاضطرابات السياسية بتوزيع الكتاب العربي الذي يواجه أزمة الورقي والرقمي في جدل بين الحياة والموت للكتاب الورقي الذي تقوم عليه معارض الكتب في الوطن العربي ، تبدو مساحات من الضباب تحوم حول معارض الكتب العربية ومستقبلها والكتاب الورقي العربي ومستقبله.

هنا تبدو ظواهر جديدة على ساحة الكتاب العربي، لكنها أشبه بالموضة في عالم الأزياء تصعد سريعا دون رسوخ حقيقي في أي حقل من حقول المعرفة، وهي أصداء الانتشار الرقمي، فالتويتات والبوستات على فيس بوك وعلى واتس آب، صارت تجمع في كتب تطبع ليقف الشباب عليها طوابير طويلة، هذه الظاهرة باتت واضحة في معرض القاهرة للكتاب وفي معرض الكويت للكتاب، لتصاحبها دور نشر تظهر لتقتات على هؤلاء الشبان، ويدرك الواحد منهم أنه نجم يقدم لجمهوره شيئا ما، بينما لو تصفحت كتابه ما وجدت شيئا ذا قيمة.. فهل باتت المعرفة العربية في خطر؟.

..هنا (...)تبرز لنا على الفور آليات تحول جديد في إنتاج المعرفة، هذا التحول تنبأ به المفكر إدوارد سعيد في كتابه «المثقف والسلطة» حين ذكر أن عصر المثقف الفرد انتهى، فنموذج محمود عباس العقاد الذي يستوعب الإنتاج المعرفي ويعيد تقديمه نموذج لم يعد ملائمًا لعالم الفضاء الرقمي.

هنا نقرأ تحولاً في أدوار المكتبات على الصعيد الدولي، فهي لم تعد أماكن لترفيف الكتب، بل صارت أداة لإنتاج المعرفة والبحث عنها وعما يحتاجه المجتمع، لذا رأينا عدداً كبيراً من المكتبات تتبنى برامج بحثية وتبني مراكز بحثية، لتقدم خدماتها عبر مواقع وبوابات رقمية للباحثين والجمهور والحكومات، فهل تبني دور النشر العربية قدراتها الإنتاجية على هذا التحول، أم ستتوارى حركة النشر العربية؟.

في حقيقة الأمر إن هناك حقولاً معرفية سيظل فيها الفرد المبدع هو المحور، مثل الرواية والقضة القصيرة والشعر والفلسفة، لذا فإن استثمار دور النشر في هذه المجالات أساسي، لكن يجب أن تتحول إلى نشر يجمع الورقي والرقمي معًا، فمازال الورقي جاذباً لعدد كبير من القراء، إذ أن هناك أبحاثاً تذهب إلى أن النص الورقي أكثر استيعابا من ذاكرة الإنسان، التي لديها القدرة الفائقة على استعادة هذا النص حين يخزن من الورقي بصورة أسرع وأدق، على حين أن عدم ثبات النص الرقمي وتغيراته المتلاحقة لا تساعد ذاكرة الإنسان على استيعابه.

ماذا لو تحاول إنتاجنا إلى إنتاج رقمي؟.

هنا يبدو الإنتاج المعرفي الورقي خلال القرنين 19و 20 الميلاديين، يتحول أيضا إلى إنتاج رقمي عبر تقنيات الرقمنة، ومن ثم الإتاحة، ويظهر لنا على الفور مشروع جوجل لرقمنة الكتب العربية، لتصبح جوجل بمرور الوقت هي مصدر المعرفة العربية، ولتجتذب سوق الإعلانات العربية على web لها، فيحين تعرقل جهود مكتبة الإسكندرية لبناء مكتبة رقمية عربية، ويذكر في هذا الصدد جهود جامعة الملك سعود والمكتبة الوقفية المغربية.

كما أن ابيسكو تسعى كذلك للولوج لعالم الكتب والدوريات العربية، ومثلها أيضا أمازون، لذا تبقى الجهود العربية في هذه المجالات في حاجة للمراجعة.

تبدو هنا على السطح معارض الكتب العربية بشكلها التقليدي المعتمد على الكتاب الورقي أمام تساؤل صعب بعد عشر سنوات من الآن، فالحياة الثقافية العربية تعتبر معارض الكتب متنافساً ثقافياً وقفياً وأداة لمحاربة استمرارية فكرة الرقابة على الكتب في بعض الدول العربية، ويأتي الكتاب هنا ليأخذ فرصة ليجد سوقا ورواجا في ظل ندرة منافذ البيع، بل فرصة ليزداد الجمهور العربي، فهل هناك مستقبل لمعارض الكتب العربية؟

في حقيقة الأمر سيستمر الكتاب الورقي لمدة أبعد مما يتخيله البعض في بدايات القرن الحادي والعشرين، إذ أن التقديرات كانت تذهب إلى اختفائه مع العام 2030، في حين أننا نتحدث الآن عن عام 2050، لكن ستكون معارض الكتب العربية هنا، لها أهميتها من قبل دور النشر والمشارك الجديد المكتبات ومراكز الأبحاث والشركات المنتجة لتكنولوجيا المعلومات والتي تتيح المعرفة عبر أدواتها، فالكتب ستعد شيئا يكتسب ندرة يوما بعد يوم، وبالتالي ستعامل كما نعامل المخطوطات اليوم، وهذا يفسر لماذا تسعى مكتبات في الصين وألمانيا والولايات المتحدة إلى الآن لاقتناء الكتاب الورقي الذي سيعد مع الزمن ثروة لها قيمتها، كما أن الحراك الثقافي والفني المصاحب لمعارض الكتب سيعد هو الرصيد الذي يدفعها للاستمرارية، فنحن أمام مهرجانات للمعرفة بكل أبعادها.