قبل أن ندخل في موضوعنا فإن الحديث ليس عن المواطنين الذين يعانون من الوضع الاقتصادي والمعيشي أو يطالبون بمحاربة الفساد أو يطالبون بالإصلاح بكل أنواعه، فمن حق الأردني أن يعبر عن رأيه ويطالب بالإصلاح ويشكو أو يرفض سياسات اقتصادية.

لكن الحديث عن قوى أو مجموعات سياسية تتغير معادلات علاقاتها وخطابها ونهجها مع الدولة ولا أقول الحكومة بتغير الظروف المحلية أو معادلات الاقليم، وهو أمر عاشته الدولة خلال فترة الربيع العربي حينما أعتقدت هذه القوى في حينه أن الدولة أو كما يقولون «النظام الأردني» في حالة ضعف بل ذهبت قراءات البعض إلى أن التغيير الجذري قادم بحكم الوضع الداخلي أو الإقليمي، ويومها كانت الفوقية السياسية ومحاولة فرض الشروط، لكن الظرف الإقليمي والأهم الإدارة السياسية الداخلية قلبت التوقعات وبقي «النظام»!!، واستمرت الدولة، ودخلت تلك القوى مرحلة الخطاب العقلاني الإجباري والمطالبة بالحوار دون شروط أو مطالب، وأصبحت الأمنية أن يحدث أي لقاء مع مستوى في الدولة.

اليوم الدولة تعيش ظرفاً اقتصادياً صعباً له استحقاقات سياسية، ومجموعات من الناس تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد وتشكو من الأوضاع الاقتصادية، وهؤلاء الأردنيون يمارسون حقهم والدولة مطالبة بالتعامل مع مطالبهم إيجابياً، لكن المرحلة التي تعيشها الدولة اليوم صنعت عند بعض القوى التي كانت كامنة ومعتدلة قسرياً أن تتعامل على أننا في مرحلة تشبه ما كان عليه الأمر عام 2011 أو 2012، وأن النظام كما يسموه ضعيف ويعيش أزمة كبرى، وهنا لا أتحدث عن الحكومة لأن الحكومات حالات متغيرة، لكن قناعة هذه الجهات أن الدولة والحكم في مرحلة ضعف شديد، وأن الفرصة مواتية للتفكير بالطريقة التي كانت قبل سنوات سواء على مستوى تحقيق مطالب لم تكن ممكنة سابقاً أو حتى التفكير البعيد، ولهذا بدأنا نرى ونسمع ذات الخطاب وطريقة التفكير التي كانت في بدايات ما يسمى الربيع العربي، وأصبحت المفردات لا تختلف عن لغة فرض الشروط التي كانت عندما كنا في مرحلة تعديل الدستور أو الاستعداد لانتخابات عام 2013، وبدأت هذه المجموعة أو بعضها يتحدث على قاعدة أن الدولة تحتاج له، وأنها ستخطب الود وهذه الطريقة بالتفكير جعلتنا نرى عبارات لا تخلو من تلويح أو تهديد مباشر وغير مباشر.

هي ذات القناعات التي أدارت بها هذه المجموعة علاقتها بالدولة قبل سنوات، وأن الدولة في أزمة وحالة ضعف وأنهم البديل الأكثر قدرةً على استغلال الحالة، وهذا الأمر يثبت أن اللغة الهادئة والمعتدلة التي كانت قبل عامين مثلاً لم تكن حالة فكرية بل ناتجة عن ضعف، ولهذا مع ضغط الأزمة الاقتصادية عادت لغة مرحلة «الربيع العربي».

لكن هل الدولة ضعيفة وهل «النظام» كما يقولون في أزمة من العيار الثقيل تجعلهم يمارسون الابتزاز السياسي والاستقواء وربما أمور أخرى؟، والاجابة من الصعب أن يدركها أصحاب الخبرة وقارئي التاريخ القريب، فوجود أزمة اقتصادية ضاغطة ومعاناة نعيشها جميعاً مواطنين ودولة ليس بوابة الاستنتاج الذي بدأنا نراه في خطاب وممارسات هذه المجموعة.