الدكتوراحمد سليم سعيدان هو من كبار العلماء بالرياضيات في الاردن والوطن العربي, وكانت وزارة الثقافة الاردنية قد أعادت نشر كتابه «قصة الارقام والترقيم» عام 2018.

ومما جاء في الفصل الاول من كتابه هذا تحت عنوان فرعي « العد» نقرأ ما يلي:

واحد، اثنين، ثلاثة... هل فكرت يوماً في هذه الالفاظ التي بها نُحصي المعدودات؟!

الى اي مدى تستطيع ان تَعُد؟!.

لا شك ان بمقدورك ان تمضي بالعد حتى تتعب وتمل، ولعلك قد عملت ذات مرة بنصيحة يزجيها الآباء للأبناء، فيقولون: اذا شعرت بالأرق، واستعصى عليك النوم، فخذ بعدّ النجوم: آحاد وعشرات ومئات.. فإنك لا تلبث ان تنام، قد تكون نصيحة الآباء نفسية سيكولوجية صحيحة! والسر في نجاحها انك تستطيع ان تعد على رسلك، وهِينتك، بتركيز ذهني يلهيك عن المشاكل التي تقض مضجعك، دون ان يرهقك، اذ يمضي العد على وتيرة واحدة، وهذا بدوره لا يلبث ان يفعل فعله، من حيث لا تشعر، فتثقل جفونك وتنام نوم العافية.

وكما ان الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراه إلا المرضى، فكذلك هذا العد الهين اللين نعمة لا يدرك قيمتها إلا من حُرم منها، انه يطرد في العربية وفي الانكليزية! ولكنه ليس بمثل هذا الاطراد في الفرنسية مثلا... فهناك قبائل ليس في لغاتها اسماء لأكثر من الاعداد الثلاثة الاولى، فيجري العد فيها على مثل النحو التالي:

واحد، اثنين، ثلاثة، ثلاثة وواحد، ثلاثة واثنين، وكل ما زاد عن ذلك فهو عندهم كثير، ليس في لغاتهم الفاظ للاربعة والخمسة، وما فوقهما، لان حياتهم لا تتطلب اعدادا فوق الثلاثة، واللغة وليدة البيئة، والمجتمع يصوغ من الالفاظ ما يحتاج اليه، ومجتمع هذه القبائل لم يَصُغ الفاظا فوق حاجتهم.

اما نحن، العرب، فبفضل اولئك الذين وضعوا لنا اللغة، نعد ونعد، على نحو مطرد حتى ندرك الآلاف، ولا تقل الملايين فانك تتعب من العد قبل ان تصل الى المليون.

فلو انك أخذت تعد بسرعة واحد في كل ثانية، وستين في كل دقيقة، و3600 في كل ساعة، أتدري كم تستغرق حتى تصل الى المليون؟! اذا مضيت تصل الليل بالنهار، ولا يأخذك نعاس، ولا يشغلك ما يشغل الناس، فانك تستغرق في العد احد عشر يوما قبل ان تصل الى المليون، وانت لا شك تؤثر ان توفر وقتك وجهدك الى ما هو أجدى من مجرد العد.

والآن دعني ألفت انتباهك الى امر طريف:

واحد، اثنين، ثلاثة،... عشرة: عشرة اسماء مختلفة، لعشرة اعداد مختلفة، وهذا حق، فالسبعة غير الثمانية، مثلا، بقدر ما ان التين غير الزيتون!! فينبغي ان يكون لكل منهما اسم ينفرد به, وبه يتميز، ولكن كيف يكون الحال لو ان اجدادنا الذين اورثونا اللغة العربية الجميلة مضوا يضعون لكل عدد فوق العشرة اسما جديدا يتميز عن سواه، كما تتميز السبعة عن الثمانية والمئة عن الالف؟ كم لفظا يضع الواضعون؟! وكم اسما نقدر ان نحفظ؟ مئة؟ مئتين؟ الفاً؟ نحمد الله انهم لم يفعلوا ذلك، فلو فعلوا لقضى اكثر الناس نحبهم قبل ان يتقنوا العد الى المئة، لقد اختط صانعو لغتنا لتسمية الاعداد خطة عبقرية في سهولتها ويسرها و اليها يرجع الفضل في اننا منذ الطفولة تعلمنا ان نعد بلا عناء الى اي حد نشاء:

واحد، اثنين، ثلاثة...عشرة.

ثم واحد وعشرة = أحد عشر.

اثنان وعشرة = اثنى عشر.

ثلاثة وعشرة = ثلاثة عشر... حتى تسعة عشر.

ثم عشرة وعشرة = عشرين (عشرون)، لفظ ليس جديدا كل الجدة.

ثم واحد وعشرون، اثنان وعشرون... حتى الثلاثين، لفظا آخر كالعشرين ومثله الاربعون والخمسون... حتى التسعين.

بهذه الالفاظ معطوفة عشراتها على آحادها نعد حتى التسعة والتسعين.

بعدها نأتي الى عشر عشرات، وهذه سميت مئة، لفظ جديد بعده مئتان، وثلاثمائة، حتى تسعمئة، فاذا وصلنا الى عشر مئات وضعنا لها لفظا جديدا هو الألف.

بهذه الالفاظ معطوفة بعضها على بعض، نعد حتى اي حد يحتاج اليه الشخص العادي لشؤون حياته اليومية، آحاد وعشرات ومئات وألوف، بنظام عشري رتيب، يسمى السلم العشري.

فكيف جاء هذا النظام العشري، في اللغة العربية وفي كثير من لغات العالم؟ هل وجد الاقدمون للعشرة سحرا خاصا جعلهم يتخذونها اساسا للعد؟.

عشرة آحاد، ثم عشر عشرات، اي مئة، ثم عشر مئات، اي الف؟.

ولماذا لم تتخذ الامم سلمات مختلفة، فواحد خماسي مثلا، وثالث سباعي، وآخر اثنا عشري؟.

ليس من السهل الاجابة عن هذه التساؤلات على وجه اليقين، ولكن نرجح ان اختيار المجتمعات للعشرة اساسا للعدِّ له علاقة بالطبيعة البيولوجية الواحدة للناس، ذلك ان الله جعل لكل امرئٍ يدين في كل منهما خمسة اصابع:

ماذا كان انسان ما قبل التاريخ يصنع اذا اراد ان يحصي سهامه؟ (نقول «ما قبل التاريخ» لاننا نقدر ان الانسان وجد الحاجة الى العد من قبل ان يجد الحاجة الى التأريخ).

نقدر انه كان يقرن كل سهم باصبع من اصابع يديه، فاذا بلغ عشر سهام جعلها حزمة، ثم أعاد الكرة على ما بقي لديه من سهام، فاذا فرغ، رجع فعد الحزم وجعل كل عشر منها جعبة، حتى اذا فرغ من الجُعب، جمعها عشرات وجعل كل عشر منها كومة.

فاذا كان ما اجتمع لديه كومين، وثلاث جعب، وتسع حزم، وسهمين، فذلك الفان وثلاثمئة واثنين وتسعين سهما، تسلُح رهيب، ولا جديد تحت الشمس.

ولا ندري متى اكتمل في اللغة العربية هذا السلم العشري في العد، ولكن يبدو مؤكدا انهم منذ فجر التاريخ قد عرفوا الالوف، الا ان الوف الالوف لم تدرج على الالسنة من قبل الاسلام.

ولقد قدمنا ان اللغة العربية ليست وحدها التي تستعمل السلم العشري في العد، بل يشاركها في ذلك كثير من اللغات العريقة، ولم يكن ذلك كله اقتباسا، ولا تقليدا انتقل من مجتمع الى مجتمع، وإن يكن الاقتباس والتقليد قد جرى في بعض الاحيان، الا ان المجتمعات البدائية كثيرا ما كانت تجابهها مشاكل متشابهة، فتحلها بطريقة متشابهة، وإن في اللغات الانكلوسكسونية شواهد على الترابط بين العد والاصابع، وفي العربية نجد بين «الخمسة» و»خمسن» و»كمسن» ما يوحي بان هذه الالفاظ ترتبط على نحو ما باصابع اليد