أبواب - وليد سليمان

في مقدمة كتابه «ذكرياتي في عمان الخمسينيات» الصادر عن دار الشروق بعمان عام 2018 يُوضح المؤلف الدكتور المهندس بكر عبد المنعم بقوله:» لقد كان أن وقع بين يدي يوماً كتاب الروائي العظيم عبد الرحمن منيف، الذي يحمل عنوان» سيرة مدينة - عمان في الأربعينات».. ولست أدري أي هاجس داخلني يومها ودعاني كي أحاول كتابة ما يماثله عن العقد التالي أي عقد الخمسينيات، حتى لو كان ذلك بأسلوبي المتواضع، ومن زاوية مختلفة غير التي نظر منها د.عبد الرحمن منيف إلى عمان.

لذا فقد فكرت أن كتابة ذكريات شخصية لأناس عاشوا في عمان في العقود التي تلت عقد الأربعينيات هي فكرة جميلة، بل إنه أمر هام.

فقررت أن أتقدم لأبدأ خطوة تالية , وكلي أمل أن يأتي من بعدي من يكملوا مشوار الذكريات في عمان، فيخطوا وينشروا ذكرياتهم الشخصية عن عقود عمان التالية، من ستينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا.

وفي كتاب ذكرياته يتطرق المهندس الدكتورعبد المنعم لمواضيع وأحداث وأماكن شتى في عمان عن فترة الخمسينيات من القرن الماضي, ومنها مثلاً ما يسرد في مذكراته قائلاً:

استعارة واستئجار الكتب الأدبية والفكرية

خالتي نجاح كانت تحب وتهوى قراءة الكتب الأدبية والفكرية والإطلاع عليها.. وقد تعلمت منها هذه العادة والهواية الجميلة المفيدة.

وكانت هناك مكتبة لبيع الكتب والقرطاسية تقع على أول شارع السلط (شارع الملك حسين) وهذه المكتبة تُعير وتؤجر الكتب مقابل رسم رمزي مقداره نصف قرش (تعريفة) لمدة أسبوع, إذ لم يكن آنذاك مكتبات عامة بعد في مدينة عمان .

أمَّا صاحب المكتبة فكان يقوم بتسجيل اسم المستعير واسم الكتاب والتاريخ , وليس هناك من مبلغ للتأمين ولا من كفيل أو كفالة أو ضمانة لإعادة الكتاب إلا التحلي بالأمانة والصدق.

ولقد قرأت واطلعت- على صغر سني آنذاك- على العديد من الكتب المتنوعة الثقافة,

و تعلمت من تلك التجربة كم هي مفيدة قراءة الكتب, وكانت تلك هي البذرة الحميدة التي أينعت عندما تقدم بي العمر.

الفحم والملح بدل معجون الأسنان

ورغم فقرنا المدقع فقد كنا حريصين على نظافة البدن، ومنه طبعاً نظافة وسلامة الأسنان.. ولما لم يكن بمقدورنا شراء معجون وفرشاة أسنان، لعدم توفر النقود لشراء مثل تلك الأشياء، فقد كنا نطبق ونمارس نصيحة بعض كبار السن فنقوم باستخدام الفحم, الذي كنا نقوم بهرسه وطحنه, ومن ثم نقوم بفرك الأسنان به مستخدمين الأصابع بدلاً من الفرشاة.

كذلك كنا نقوم بالمضمضة بالماء المذاب فيه القليل من ملح الطعام حفاظاً على نظافة وسلامة صحة اللثة.. وكنا نحضّر هذا الخليط الملحي من خلال غلي الماء وإذابة الملح فيه، ثم تركه ليبرد، وبعدها نحتفظ بهذا الخليط في إحدى القوارير.

رثي الملابس والجوارب

وكان أمراً عادياً وممارسة مُكررة هوالقيام برثي الملابس والجوارب، خاصة الجوارب النسائية الشفافة.

فقد كانت الوالدة تقوم بإصلاح ما تستطيع من ذلك. أما ما كان منها يتطلب مهارة خاصة فإنه كان يتم على يد بعض الماهرين الذين يعملون في محلات متخصصة بوسط البلد في عمان.

وعن أمهر، بل وأشهر هؤلاء الرَّثايين رجل كان يدير محلاً للرثي والخياطة والصباغة ويقع قرب مكتب تكسي الرشيد، على يسار أول طلعة شارع سينما الفيومي (الخيام)عند موقف سرفيس اللويبدة الآن.

وظل ذلك الرجل يمارس تلك المهنة لعقود عديدة من الزمن، وما زال في نفس المكان بعض أبنائه وأحفاده يمارسون هذه المهنة، التي تحتاج إلى مهارة عالية.

صباغة الملابس

وكنا نحن أفراد الأسرة نلبس الملابس سواء كان القميص أو البنطال أو الفستان أو البلوزة أو الجرزاية لمدة طويلة، حتى نزهق ونعاف من تكرار ذلك.

ولمَّا لم يكن بالاستطاعة شراء ملبسٍ آخر جديد، وحتى ننعم بفرحة التغيير، فقد كان يتم صبغ قطعة الملابس بلون آخر، حسب الطلب والرغبة آنذاك.. ويتم ذلك في محلات متخصصة بذلك، هي غالباً وعملياً نفس محلات رثي الملابس.

وكانت هذه العملية أكثر ما تُطبق على فساتين وبلوزات الوالدة والخالات والشقيقات.. وأكثر ما كان يتم صباغته بلون جديد هو الجرازي والكنزات المنسوجة من خيوط الصوف.

وإلى جانب ذلك كان يتم «تدوير» بعض الثياب والملابس إما تطويلاً أو تقصيراً أو توسيعاً أو تضييقاً لتناسب مقياس جسم من ستكون من نصيبه من الإخوة أو الأخوات.

ملابس من أكياس الطحين!

أما خِياطة الملابس الداخلية من القماش المالطي لأكياس الطحين التي هي بالأساس منحة من النقطة الرابعة الأمريكية فقد كان أمراً عادياَ.. لأنه يكن باستطاعتنا شراء ملابس داخلية قطنية من تلك الجاهزة لي ولإخوتي وأخواتي.. لذلك كانت الوالدة تخيط لنا ملابس داخلية من هذا القماش .

و أكثر ما كان مجالاً للتعليق والتندر عندما يُشاهد أحدنا وهو يلبس أحد تلك الملابس الداخلية ويكون فيها الشعارالأمريكي قد جاء عند التفصيل والخياطة ليغطي مؤخرته.

ملابس مستعملة من البالة

ونظراً لضيق ذات اليد وعدم إمكانية شراء ملابس جديدة لنا، فقد كان يُستعاض عن ذلك بشراء الملابس المستعملة من سوق البالة.

فقد كانت الوالدة أحياناً، تُعجب بقطعة من الملابس تراها جميلة ورخيصة ومن قماش ثمين, ولكنها لا تتناسب مع مقياس أي منا! ومع ذلك تقوم بشرائها وتُعيد فرطها وخياطتها بشطارة وحذق ومهنية فائقة، إلى ثوب جميل راقٍ يناسب مقياس أحدنا، حيث يَسر ويُبهر الناظرين.

يستعيرونني للإقامة عندهم

وعندما انتقلنا للسكن في الزرقاء، بسبب العمل الجديد لوالدي هناك، رأى الوالدان ألا أنتقل من مدرستي العبدلية في جبل عمان إلى مدرسة أخرى في الزرقاء، لقناعتهم بأن تكرار الانتقال عن مدرسة إلى أخرى يؤثر على مستوى الطالب، ولتقديرهم وخوفهم من أن إقامتهم في الزرقاء قد لا تطول!.

و هناك سبب آخر لهذا الأمر، ألا وهو أن «دار سيدي» في عمان- كما كنا ندعو دار جدتي أم إبراهيم- لم يكن فيها ولد صغير لخدمتهم بقضاء الحاجات من خارج المنزل.

فقد كان يقيم في هذا المنزل كل من خالي إبراهيم وزوجته هيام، إضافة لجدتي أم إبراهيم، وخالتيّ فطمت ونجاح اللتين كانتا في عقدهما الثاني من العمر، وبالتالي كان يصعب عليهما الخروج من المنزل لقضاء الحاجات المنزلية، والتي عادة ما كان آنذاك يقوم بها الأولاد الصغار، خاصة شراء بعض مواد التموين والاحتياجات الأخرى من الدكاكين الصغيرة القريبة من المنزل، أو حمل العجين إلى الفرن، أو تصليح بابور الكاز المعطل، أو ما شابه ذلك.

لذلك كان من المنطق نظراً لكل تلك الأمور الموضوعية والذاتية أن أُقيم آنذاك في «دار جدي».

وكنت أذهب لزيارة عائلتي في الزرقاء في نهاية الأسبوع، أي عصر الخميس، وأعود لعمان صباح يوم السبت.

رسائل سرية من الخالتين إلى الوالدة

وكم كنت أعجب عندما كنت أصل إلى الزرقاء أن أرى والدتي تعرف كل ما قمت به خلال الأسبوع المنصرم أثناء إقامتي في بيت جدتي!! خاصة تلك الأمور التي يمكن تصنيفها تحت بند الأخطاء والأغلاط والمشاكل في السلوكيات.

ويزيد من العجب أنه لم يكن هناك آنذاك أية وسيلة للاتصال بين المنزلين، منزل عائلتي في الزرقاء ومنزل عائلة الجدة في عمان.

وعرفت بعد عشرات السنين، أن ذلك كان يتم من خلال رسائل كانت تُخبئ في «تجليد» كتاب القراءة العربية الذي كنت أحمله معي في الحقيبة أثناء تنقلي بين عمان والزرقاء.

وذلك كان بمثابة اتفاق سري بين الوالدة من جهة والخالات فطمت ونجاح من جهة أخرى.. فأمي كانت حال وصولي تقوم بفك التجليد، دون أن أراها، وتُخرج تلك الرسالة وتقرأها، وبذلك كانت تعرف كل أسرار سلوكي في ذلك الأسبوع في عمان.

كم من مرة كانت القصة تنتهي بتوبيخ شديد لاذع، أو خفيف من الوالدة والوالد على أخطائي وغلطاتي التي كنت قد اقترفتها في بحر الأسبوع الماضي.

نسخ الوظائف لزميلات الخالة

وخالتي نجاح كانت تسبقني في المدرسة بأربعة صفوف، إذ كانت في الصف السادس عندما كنت أنا في الصف الثاني.. وكانت مجتهدة ومواظبة جداً في دراستها.. وغالباً ينتهي عامها الدراسي بحصولها على الدرجة الأولى في الصف.

وكانت تعرف ضيق ذات اليد في العائلة، لذا كانت تُجهد نفسها في إيجاد بعض موارد رزق، مهما كانت قليلة، لتغطية بعض مصاريفها.. من ذلك مثلاً أنها كانت تقوم بإعطاء بعض الدروس الخصوصية لبعض بنات وأبناء عائلة عصفور الصغار.

و في بعض الأحيان تُحضر معها من المدرسة دفاتر بعض الطالبات، وخاصة لطالبة معينة لمادة الرياضيات..فتقوم بحل أسئلة الوظيفة في دفترها، خاصة مادة الحساب ، ثم تقوم بنقل ونسخ حل تلك المسائل إلى دفاترزميلاتها الكسالى، مقابل القليل من النقود.

ولما كان من الأفضل أن لا يكون ذلك بخط نفس الشخص، كانت تطلب مني أن أقوم أنا بنقل ذلك، رغم أنني ما زلت في الصف الثاني الابتدائي، ومقابل ذلك كانت تعطيني قرشاً أو قرشين من النقود القليلة التي كانت تحصل عليها من زميلاتها مقابل ذلك.

وكم كنت أفرح لتلك القروش القليلة، أشتري بها بعض الملبّس أو الهريسة أو البزر أو القضامة أو البوظة.

مرافق للخالة

وكثيراً ما كانت الخالة تأخذني معها «مرافقاً» لها في بعض زياراتها لبيوت زميلاتها في المدرسة ممن كن في مثل سنها.. وكنت أجلس قريباً منهن.. وكن يعطونني أحياناً بعض المجلات أو الكتب لأتسلى بقراءتها رغم صغر سني، أو تكون فرصة لي لألعب مع بعض أبناء عائلاتهن ممن هم في سني، وأذكر منهم إسماعيل الحنبلي، شقيق رحاب.

وذات زيارة كنت أمسك بكتاب واقرأ بكل رزانة، رغم طفولتي! فأخذن يُشرن إليَّ وهن يضحكن قائلات بأنني أشبه بطه حسين!.. ولم أكن حتى ذلك التاريخ أعرف من هو طه حسين هذا، لذلك كنت أظن أنهن يستهزئن بي. ولما كنت أصغر منهن لم أجد بداً من كظم غيظي احترامي لخالتي ولهن.

كُتّاب أم خالد الكرمي

وعندما كانت تطول إقامتنا في بيت الجدة، بسبب مراجعة الوالدة للأطباء في عمان أثناء فترات مرضها بالأزمة، كانت العائلة ترسلنا أنا وبعض من شقيقاتي وأشقائي إلى مكان قريب من منزل الجدة، والذي يمكن أن نسميه تجاوزاً «مدرسة»، إنه كُتَّاب أم خالد.. فقد كانت تدير هذا الكُتّاب وتشرف عليه بحزم وتقوم بالتدريس فيه أم خالد الكرمي التي كانت تتقاضى منا بعض الرسوم القليلة.

وكان مكان هذا الكُتّاب على بُعد بضع عشرات من الأمتار من المنزل الذي تقطنه عائلة الجدة أم إبراهيم، والذي يملكه أبو علي السجان..وذلك البيت يقع على حافة الزاوية بين شارع القلعة وشارع وادي الحدادة، خلف مخفر الشرطة ومنزل عائلة قاقيش.. أما المدرسة - الكُتّاب- فقد كانت تقع على الزاوية المقابلة لهذا المخفر، ومقابل بيوت عائلة العطعوط.