عمان - جوان الكردي

نساء اخترن أن يشاركن أزواجهن برواتبهن بطيب خاطر وباتفاق مسبق قبل الزواج، وأخريات أجبرن على مساعدة أزواجهن لضيق الحال، وغيرهنّ تعرضن للضغط لتحمل مسؤولية الإنفاق على البيت بعد تخلي الزوج لظروف شتى، فيما نجد نساء تفاجأن بعد الزواج بأنهن مرغمات على الإنفاق على البيت.

هنالك من استمرت حياتها بالحب والتفاهم، ومن طلقت للتعدي على راتبها، وبعضهن خلعن أزواجهن..

نساء ذوات تجارب.. أغلبهن رفضن نشر أسمائهن.

عندما تواجه المرأة مشاكل مع زوجها بسبب الراتب الذي تتقاضاه وكيفية إنفاقه يصبح الراتب يهدد استقرار مؤسسة الزواج.

الراتب وراء خلعه

الثلاثينية هيام (وهو اسم مستعار) بعد زواج عشرة شهور خلعت زوجها.

وكان الاتفاق قبل الزواج أن تتكفل بشراء المفروشات وهو بمصروف البيت وإيجاره.

وتشرح بالقول: اشتريت خلال الخطبة المفروشات والتزمت بدفع أقساطها، وبعد الزواج أصبحت أتكفل بمصروف البيت وإيجاره، وأعطي زوجي من راتبي أيضا، وعندما أسأله يقول: الوضع حاليا صعب» ويعدها بأن تتحسن الأمور.

غير أنها بعد مضي عشرة شهور، لم تعد تتحمل الوضع، وزاد العبء عليها، تحدثت معه وذكّرته بأن هذا لم يكن اتفاقهما، فما كان منه إلا أن أجابها بالقول: «أنتِ ملزمة بالبيت.. إنت عشت حياتك، والآن عليّ أن أصرف على أهلي» رغم أنه ليسوا بحاجة ماسّة.

طلبت هيام الطلاق لكن زوجها رفض بسبب تكاليف الطلاق والمؤخر وقال لها انه غير مستعد للدفع، رفعت هيام قضية خلع «وانتهت القصة».

طلاق وأربعة أبناء

الأربعينية سهام (ليس اسمها الحقيقي) تزوجت وسافرت مع زوجها إلى الإمارات المتحدة وعاشت في بيت مع عائلة زوجها المكونة من أربعة أشقاء لزوجها وأبويه.

قررت سهام العمل لمساعدة زوجها ليكمل دراسته، وعملت في أكثر من مطعم.

ومكّنها عملها من أن تستأجر غرفة لتنتقل إليها مع زوجها وأصبح زوجها يدرس ويغامر براتبها في مشاريع فاشلة حتى أصبح الحمل يكبر يوما فيوما، وزوجها يطلب مصروفا ويقول «أحضري لنا كذا وادفعي لنا كذا»، فيما هو «قابع في المنزل وأنا أعمل وأنفق، ولجأت إلى إبن عمي الذي كان يعمل بنفس البلد «وأستدين منه».

بعد كل ما قدمته سهام، لم تستطع أن تحتمل المزيد من زوج تخلى عن جميع المسؤوليات عليها ويحمِّلها إياها، ما جعلها تطلب الطلاق، فطلقها وتركها مع أبنائهما الأربعة تنفق عليهم.

بعد ثلاثين عاما

الخمسينية أم محمد (اسم وهمي) بعد عمل ثلاثين عاما خرجت بـ»لا شيء».. زوجها ادّخر المال طيلة فترة عمل زوجته التي كانت تنفق راتبها على البيت والاولاد.

أم محمد عملت معلمة، وزوجها بالأعمال الحرة وكان يجبرها على أن تنفق راتبها على البيت بطريقة غير مباشرة؛ «لا يؤمّن معظم أغراض البيت وملابس أبنائنا ومستلزماتهم، فاضطر إلى شرائها وتامينها حتى ينفد راتبي».

اشترى زوجها سيارة، ثم اشترى شقة وسكنوا فيها، ولم تسأله من اين أتى بالمال».. ففهمت أنه كان يدّخر راتبه ويشتري أملاكاً وهي تنفق على البيت وتحرم نفسها من أشياء كثيرة «حتى يكفي راتبي مصاريف البيت».

وبعد مرور السنين اكتشفت أن زوجها وفّر مبلغا كبيرا واشترى شقتين للاستثمار.

تعلق أم محمد، «فقدت أعصابي وطلبت الطلاق وبعد الطلاق تزوج مباشرة وطردني من الشقة أنا وأولادي بحجة أنها ملكه وأنه اشتراها من ماله».

استأجرت أم محمد بيتا تدفع أجرته وتنفق على أولادها وتعمل ليل نهار لتؤمن مصاريفها.

يقول أستاذ الطب النفسي ومستشار العلاقات الأسرية الدكتور محمد أبو شوك بأن المرأة المتزوجة العاملة هي «حرة التصرف براتبها.. إما تنفقه على نفسها أو على بيتها».

ويعتقد أنه «من الجميل أن يساعد الزوجان بعضهما في تحمّل مصاريف البيت وبخاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها».

ويستدرك بالقول أنه عندما تصل الأمور درجة «أن تنفق الزوجة على المنزل والزوج غير آبه فسينعكس ذلك سلبا على مسيرة الحياة الزوجية.. فتضطر المرأة أن تقوم بدور القوامة».

وهو ما يؤثر على الأولاد بالدرجة الأولى ويجعلهم يتمثلون نفس النموذج عند زواجهم.

ويلفت الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة إلى أن الأمر يزداد خطورة، والصدمة تصبح أقسى «عندما يتنكر الزوج لمساهمة الزوجة وتقديمها مالها دون حساب ودون تدقيق أو توثيق».

وتزداد الصدمة حدّة «عندما يتخلى الزوج عنها بالقطيعة أو الهجر أو الطلاق والزواج بأخرى بعد أن استنفد تسديد ما عليه من التزامات من راتبها» يقول الغرايبة.

ويعتقد أبو شوك أن طبيعة المرأة «أن تُعاون وتساعِد.. لا أن تكون المصدر الرئيس للدخل».

ويلاحظ أن ذلك يزيد الضغط النفسي عليها؛ وينعكس على تربية أبنائها.. «لينتج جيلا متوترا ضعيف الشخصية ليس له هدف واضح غير مبال، بسبب الحالة التي تصل إليها والدتهم ولاختلال الأدوار بين الزوجين».

ويلفت الغرايبة إلى أن الواقع يؤشر إلى ممارسات «تختلف عن فحوى هذا الواجب على الزوج وهذا الحق للزوجة»، وهو إذ يدل على التزام الزوجة بتغطية جزء من تكاليف المعيشة والإنفاق الأسري، كأن تخصِّص جزءاً من راتبها لتغطية العجز في موازنة المنزل من أجل تعليم الأبناء أو شراء سيارة أو أثاث أو ملابس.

ويشير إلى أن هناك حالات، يستدين فيها بعض الأزواج من البنوك لتغطية تكاليف بناء بيت أو شراء سيارة أو ما شابه، وتخصم أقساط تسديد القرض من راتب زوجته.

وهذا، وفق الغرايبة، غالبا ما يكون «دون رضا حقيقي وأكيد من قبل الزوجة، حتى وإن تظاهرت أو أبدت أنها راضية بذلك، وبخاصة إذا ما سجل البيت باسمه منفردا دون إشارة لمساهمتها أو مشاركتها في تكاليف البناء أو ملكيته.

«ليسوا سواء»

غير أن هذا الوضع لا يشمل جميع الحالات الزواجية.. فالأربعينية مرام، التي كانت تعمل قبل أن تتزوج، عرض عليها زوجها عند الزواج أن تترك عملها وترتاح منه وتتفرغ للبيت، لكنها فضلت أن تعمل وتساعده.

تقول مرام: «بعد ما تزوجت حاول زوجي أن يقنعني بترك العمل فلم أوافق، لأن هدفي كان أن أعمل شيئا لنا ولأبنائي بالمستقبل».

وهي كانت تعي أن الوضع الاقتصادي صعب على اثنين مقبلين على الزواج وليس لديهم بيت ولا سيارة وأن البدء من الصفر صعب..

لذا «وضعت يدي بيده، والحمد لله.. مضى على زواجنا ١٦ عاماً من أول يوم كنا نعتبر راتبي وراتبه واحد ونخطط ماذا سنفعل.

وتعلق مرام «بالبيت أنا وزيرة المالية لاني دارسه محاسبة والحمد لله أصبح لدينا بيتين واحد باسمي وواحد باسمه وسيارة وأولادنا بمدارس خاصة وكنا نسافر وتزيد يجب أن يكون عمل المراة وراتبها مبني على التفاهم والتعاون بين الزوجين».

بمحض إرادتي

أما الثلاثينية ربى البنا فتقول: أنا وزوجي متفقان؛ أساعده براتبي بمحض إرادتي فهو لم يجبرني يوما، وأحيانا أساعد اهلي ولم يعترض زوجي يوما.

ويؤكد أبو شوك أنه إذا كان هناك تفاهم من قبل على التشاركية في الإنفاق، يظهر أثر ذلك واضحا وجليا وسيصبح هذا التفاهم حينها قوة وصمام أمان لجميع أفراد الأسرة.

إما إذا شعرت الزوجة أن زوجها يستغلها أو لا يبالي «فعليها أن تقطع راتبها عن البيت وتُشعِرَه بذلك لعل وعسى يكون بداية تغيير لدى الزوج».

بدوره يؤمن الغرايبة أن من واجب الزوج أن يؤمن احتياجات زوجته المادية ويتولى الإنفاق على بيته وأسرته كاملا وبقدر استطاعته وامكاناته المادية.

ويلفت إلى أن الزوجة «غير مكلفة بالإنفاق على أسرتها أو زوجها أو حتى على ذاتها ما دامت في كنف الزوجية.. إلا إذا كانت على اتفاق صريح ومريح مع الزوج على القيام بتغطية بعض النفقات التي تخصها أو تخص أسرتها ككل».

ويشير الغرايبة الى أن الحل لهذا الموقف يكون بتحذير الزوجات العاملات من مغبة منح مالها وإتاحة رصيدها لزوجها بكل هذه البساطة والتلقائية مهما كانت الظروف ومهما كان حجم الثقة بالزوج، الذي يمكن أن تتبدّل مشاعره وتتغير منهجية تفكيره مع الزمن وأمام حالة الطمع أو الجشع التي تقوده إلى التنكر لشريكة عمره والغدر بها بعد سنين طويلة من الزواج والعيش المشترك بالآمال والآلام.

الأصل في العلاقة بين الزوجين أن تقوم على قاعدة معنوية عاطفية انسانية تتصف بالود والتواد والثقة المتبادلة، وليس على أساس المنفعة المادية والمصلحة النفعية الذاتية.