سقط سور برلين بتاريخ 9/11/1989، وكان انهيارا مفاجئاً مدويّا مروّعاً بإجماع كل الآراء، ومن هنا بدأ انهيار الاتحاد السوفيتي ونظريته الاشتراكية، وأصبحت بعض الدول تخرج شيئاً فشيئاً من نطاق النظام الاشتراكي. وكانت معظم شعوب العالم الثالث تتفيأ تحت مظلّة السوفيتية ونظريتها الاشتراكية، متقية من شرور النظرية الرأسمالية التي كانت تتبناها أمريكا ودول أوروبا وما يدور بفلكهما.

إن انهيار هذا السور كان أهمّ حدث حصل في القرن العشرين الزاخر بالأحداث، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحرب العالمية الأولى والثانية وتشكيل عصبة الأمم وتأسيس الأمم المتحدة التي خلفتها، واستقلال معظم دول العالم باستثناء دولة فلسطين.

أصبحت الدول الرأسمالية هي المسيطرة على النظام المالي والمعيشي في العالم بدون قيود ولا ضوابط وبشراسة غير معهودة، فتفننت بخلق المنظمات والجماعات والإيديولوجيات والمصطلحات بهدف اقتصادي ظاهرياً، ولكنها بنهايتها هي سلب ذخيرة الطبقة الوسطى في كل دول العالم، ومنها مثلا منظمة التجارة العالمية، والخصخصة، والعولمة، ونمط حياة جديد مكلف ومرهق مجبراً الشعوب على اتباعه كونها لا تملك المعرفة والقوة لخلق البديل؛ حيث أن العالم أصبح برأس واحد يملي السياسة والثقافة وطريقة المعيشة وطريقة الأكل والطعام واللباس بهدف المزيد من تفريغ جيوب الطبقة الوسطى.

ومن المفارقات أنّ بعض الدول الرأسمالية في أوروبا كانت تنتهج الاشتراكية الاجتماعية المتمثلة بالطب المجاني والتعليم المجاني وتوفير المساكن والنقل، ولكنها بدأت تنسحب من تقديم هذه الخدمات شيئا فشيئاً، فأرهقت الطبقة الوسطى التي أصبحت تلهث وراء تأمين حاجاتها الضرورية ومجاراة الرفاهية التي أوجدتها ظروف الحياة الرأسمالية في ظلّ تضخم عالٍ، مما أدّى إلى هياجٍ عام واحتجاجات كبيرة في معظم دول العالم تقوده الطبقة الوسطى لا الفقيرة، ولا أغالي إذا قلت أنه سيكون هناك ربيعاً عالمياً أوروبياً آسيوياً أفريقياً لاتينياً، يشكّل ثورة اجتماعية بامتياز لا سياسية ولا دينية ولا عِرقية، ومختلفا عن ربيعنا العربي الذي كانت أدواته جماعات ضالّة مسيّرة بمفاهيم دينية خاطئة يغذّيها مجموعة من الدول من عالم رأس المال.

وأخيراً، أذكر أن الغالبية العظمى من دول العالم والشعوب صفقت لانهيار سور برلين رغم أنّ غباره دخل كلّ بيت في العالم وها نحن نشاهد النتائج.

محامي ونائب سابق