سلسلة الانسحابات الأميركية المتتالية من الاتفاقات والمنظمات الدولية، هي قرارات لم تكن تراعي المكانة الدولية والاعتبار الدولي للولايات المتحدة، بقدر ما تمثل ضرورة ومصلحة إسرائيلية، فما أن تعرب إسرائيل عن انفعالها من قرار صادر عن منظمة دولية حتى تحسم واشنطن أمرها بالانسحاب منها، خدمة لمقاصد وأهداف إسرائيلية! فأينما وجدت المصلحة الإسرائيلية وجد القرار الأميركي!

كان الانسحاب الأميركي من المنظمة الدولية للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) منتظراً... فكما العادة كلما استاءت إسرائيل من مكان تغادره أميركا على الفور دون تردد، وهذه المرة جاء الإنسحاب من منظمة دولية أنشئت لتعزيز الأمن والسلام.

تزعم الولايات المتحدة أن «اليونسكو» تشكل عبئا ماليا عليها، لكن الحقيقة هي قلقها وامتعاضها من مواقف المنظمة المؤيدة للحقوق الفلسطينة، لتعلن واشنطن وتل أبيب انسحابهما رسميا من «اليونسكو»، بعد هجوم إسرائيلي عليها بسبب اعتمادها فلسطين كدولة عضو في المنظمة عام 2011، وتضاعف الهجوم الإسرائيلي على المنظمة عندما أصدرت اليونسكو قرارا يعتبر المسجد الأقصى تراثا إسلاميا لاعلاقة للدولة اليهودية به.

منذ ذلك الحين دخل الخلاف بين واشنطن و»اليونسكو» في طريق مسدود، لتصبح منظمة اليونسكو ثاني منظمة دولية تنسحب منها واشنطن بعد مجلس حقوق الإنسان في حزيران عام 2018، ولنفس الذرائع، لتلتحق بسلسلةالإنسحابات المتتالية من الإتفاقات والمنظمات الدولية في عهد دونالد ترمب، كالإتفاق النووي الإيراني، واتفاقية نافتا، ومعاهدة باريس للمناخ، إضافة إلى وقف تمويل وكالة إغاثةاللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

هذه ليست المرة الأولى التي تجازف فيها الولايات المتحدة بمنزلتها بين الدول الكبرى خدمة لأهداف إسرائيل، فهي خط أحمر بالنسبة للإدارات الأميركية المتعاقبة لا يمكن خرقه، ومن أجلها أوقف دونالد ترمب دعم وكالة الأونروا لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك رفعت واشنطن يدها عشرات المرات في مجلس الأمن لإحباط قرارات تمس إسرائيل.

ورغم أن المنظمة معنية بأهداف سامية، وبذلت جهودا كبيرة خدمة للثقافة الإنسانية، ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط، وتحظى باحترام الأغلبية الساحقة للدول الأعضاء، إلا أن كل هذا لم يكن يشفع للإدارة الأميركية هذا الإنسحاب، وإن كان أمرا إجرائيا إلا إنه يمثل ضربة للمنظمة التي ساهمت الولايات المتحدة في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية،لإقرار الأمن والسلام الذي تزعزه هي وحليفتها إسرائيل.

مغادرة الولايات المتحدة لـ «اليونسكو» تعبير واضح عن عدم قبول القرارت الصادرة عن المنظمة،والمتعلقة بدعم الحقوق الفلسطينية في الأراضي المحتلة بما فيها القدس، والتي تنسجم مع تطلعات وقواعد القانون الدولي الرافض لسياسة. الإحتلال وممارساته الإستعمارية.

ليست هي المرة الوحيدة التي تعلن فيها واشنطن انسحابها من اليونسكو، فقد سبق لها ان انسحبت في عهد رونالد ريغن عام 1984 بعد اتهام المنظمة بأنها مسيسة واشتراكية إبان الحرب الباردة، وعادت إلى اليونسكو عام 2003 في عهد جورج بوش، لكنها أوقفت مساهماتها المالية للمنظمة الدولية التي تصل إلى اثنين وعشرين بالمئة من ميزانيتها.

غادرت واشنطن «اليونسكو» وغادرت معها إسرائيل، والسبب هو مواقف المنظمة العادلة والمؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، وهي كانت مطالبة منذ تأسيسها أن تسمو على الخلافات السياسية والأيديولوجية... غير ان الدبلوماسية الأميركية دائما ما تؤكد أن مصالح إسرائيل هي المحرك الإساسي لكافة القرارات، ولهذا نعتقد أن سلسلة الإنسحابات مستمرة ولن تتوقف.

تزعم الولايات المتحدة أن «اليونسكو» تشكل عبئا مالياً عليها، لكن الحقيقة هي قلقها وامتعاضها من مواقف المنظمة المؤيدة للحقوق الفلسطينية في الأراضي المحتلة