أبواب - زياد عساف

فضول لا يخلو من الدهشة دفع بكوكب الشرق أم كلثوم للإلتقاء به ، وتم هذا اللقاء يوم حطت رحالها بمدينة جدَّة السعودية بداية سبعينييات القرن الماضي ، ومع علامات الإستغراب البادية على محياها بادرته متسائلة عن كيفية صياغته لإلحانه بهذه الصورة المبدعة ، وبجواب العارف المتمكن من أدواته كان رده أن ذلك يعود لانطلاقه من الحارة و البيئة الثقافية التي ينتمي إليها ،وتشبعه بالموروث الشعبي الذي ارتوى منه وطوَّرهُ ليصل بسلاسة إلى أسماع الناس ، إنتهى هذا اللقاء بالإتفاق على التعاون فيما بينهما ، إلا أن حالة الفوبيا و الخوف المتولدة لديه من السفر بالطائرة حالت دون ذهابه لمصر ما أبطل هذا المشروع ، الخوف من التحليق بالطائرة لم يحل من تحليقه في سماء الأغنية السعودية ،ويضع بصمته في أرشيف الغناء العربي بإسمه المتميز فوزي محسون .

حارة الشام ..

شكَّلت مدينة جدّة السعودية و ذكرياتها ملامح شخصيته كفنان ، وبدأت من ” حارة الشام ” التي ولد بها عام 1925 ، شهدت هذه الحارة أولى خطواته نحو التعليم ،وعلى يد شيخ كتَّاب الحارة ، ثم تابع المرحلة الإبتدائية بالمدرسة الرشيدية ليلتحق بعدها بمدرسة ليلية إسمها ( الصلاح) ، تميزت هذه المدرسة بنشاطاتها المسرحية و الغنائية ، فكانت المتنفس بالنسبة له للتعبير عن مواهبة في الغناء والكتابة ، ليغدو مع الوقت التلميذ الأشهر في المدرسة بعد مواظبته على تأدية الأناشيد في حفلاتها .

ورغم جمال صوته إلا أن مؤشرات كثيرة كانت توحي بأنه مشروع ملحن متميز ، تأكد ذلك مع حصوله على اّلة النفخ الموسيقية البسيطة ( الهارمونيكا ) ، و لم تكن تفارقه في المدرسة أوحتى أثناء النوم ، وبفارغ الصبر كان ينتظر خروج والده من المنزل ليبدأ العزف مشكلاً نغمات حسب خبرته البريئة اّنذاك ، ومع اكتشاف والده للأمر وعلى عكس المتوقع ، لم يغضب بل شجعه على رغبته هذه مقابل وعده بأن لا ينعكس ذلك على أداء واجباته المدرسية .

موظف بريد ..

لم يكتف بكتب المناهج المدرسية ، وبدأ يستنير بقراءة الكتب و المجلات ، ومنها راح يتذوق الشعر و الأدب ، و يشنف أذنه باستماعه للإسطوانات ، لتكتمل فرحته بمذياع صغير أهداه له شقيقة ليشبع رغبته بالإستماع لأغاني المشاهير ، خدمه الحظ بعد ذلك عندما تعرف على الفنان محمد علي السندي ، ليصبح الأخير مرشده بالعزف على العود و أساليب الغناء والتعرف على المقامات الموسيقية .

التحق فوزي محسون بمصلحة البرق و البريد والهاتف ، وهي مهنة والده بالأساس الذي كان من كبار مسؤولي مصلحة البريد وممن أسسوا اللاسلكي في المملكة العربية السعودية، و عُيِّن المراسل للملك عبد العزيز سعود ثم الملك سعود ، إستمر فوزي في هذا المجال لمدة 35 عاماً حتى وصل للتقاعد ، وعلى الجانب الاّخر راح يتبع أحلامه نحو النغم والموسيقى ساعياً لبلوغ الأمنية الغالية على كل فنان بالإنطلاق من خلال الإذاعة ، إلا أن الرياح جرت بما لاتشتهي السفن ، ورسب فوزي بالإختبار أمام اللجنة التي تجيز الأصوات ، لتكن انطلاقته بداية من خلال التلفزيون ،وبعد أن حقق الشهرة تلفزيونياً ، بادرته الإذاعة باعتذار وعلى طريقتها بأن اعتمدته عام 1966 كمطرب و ملحن من الدرجة الأولى .

أصالة و معاصرة ..

بكل الحب والتقدير ما زال يتحدث عنه رفاقه بعد وفاته ، سواء من خلال البرامج التلفزيونية و الإذاعية أو اللقاءات الصحفية ،ويجمعون بأن أصدق من يتحدث عنه هو فنه ، التمعن في الألقاب الثلاثة التي أُطلقت عليه تسهل للباحث من تقييم مسيرته الفنية ، وهي : ضمير الأغنية الجدَّاوية ، نسبة إلى مدينة جدَّة و هو اللقب الذي أطلقه عليه المؤرخ الفني علي فقندش ، من خلال برنامج : (الراحل) من إعداد و تقديم محمد الخميسي ، ومن الألقاب التي استحقها أيضاً (سيد الشجن ) و (سيد درويش الأغنية السعودية) .

التأمل في مجمل أعماله و نوعيتها يقود لنتيجة تؤهله للقب ( ضمير الأغنية السعودية ) وغير محصور بمدينة جدة فقط ،كونه طوَّر الكثير من أغاني التراث و الفلوكلور السعودي وقدمها بصورة حديثة ليجمع بين الأصالة و المعاصرة ، دون تغييب الهوية الأصيلة متسلحاً بخبرته بهذا المجال ، وهي المهمة التي أخفق بها الكثيرون قبله و بعده ، وعلى مستوى الغناء العربي عموماً ، و رغم هذا الإنجاز الذي قدمه إلا أنه راعى ضميره و لم ينسب هذه الألحان لنفسه ،بل للتراث الغنائي الأصيل في بلاده عموماً ، ومنها على سبيل المثال : يا ماشي الليل الطويل ، يا طير ماذا الصياح ، مس ورد الخد ، قال الجميعي ، بات ساجي الطرف ، الله يا عالم بالضمائر ، من ذاق طعم الهوى ، المولع يقول و قف بالطواف ، وبهذه الخطوة قاده ضميره للأمانة بأداء هذه الرسالة ، وعلى عكس العديد من المطربين و الملحنين الذين كانوا و ما زالوا ينسبون الألحان التراثية لنفسهم و ما زالوا ! .

قديمك نديمك ..

هذا التوجه كان خروجاً عن النمط التقليدي في الغناء ،وما حفَّزه لذلك شغفه بالتراث و الفلوكلور وتمثل هذا بتوظيفه للألحان الشعبية ، و مفردات الحياة اليومية ليعبر من خلالها عن أحلام و مشاعر بسطاء الناس ،من هنا أكتسب لقب ( سيد درويش الأغنية العربية ) ، وهذا ما أكده الموسيقار و الفنان السعودي سراج عمر با عتبار فوزي قد عبر عن البيئة الحجازية البسيطة ، بالإضافة لتوظيفه للهجة أهالي جدة في أغانيه ما دفع بعض النقاد بتسميته مجازاً : واجهة المدرسة الجدَّاوية في التلحين و الغناء، حبه و دفاعه عن القديم من التراث عبر عنه بأغنيته : قديمك نديمك ، ومن كلماتها : قديمك نديمك لو الجديد اغناك .. ياللي سابح في نعيمك .. فين نصيبي من هواك .

رغم الإبتسامة التي لم تفارقه دائماً أثناء وقوفه على المسرح ، إلا أن حزناً عميقاً كان يعتمل في حناياه ، وعبر عنه بألحان و أغنيات كثيرة برزت بها ملامح هذا الشجن ما أكسبها ألقاً و جمالاً ، ليصبح جديراًعلى إثرها باللقب الثالث ( سيد الشجن ) .

رباعي الكلمة و النغم ..

تجربة فوزي محسون تعاود تأكيد ما تم استتنتاجه من خلال البحث في مسيرة العديد من المطربين والموسيقيين ضمن سلسلة ( المنسي في الغناء العربي ) ، بأن واحداً من أسباب تألق الأغنية العربية في السابق يعود لعلاقات الصداقة المتينة التي كانت تربط بين العديد من المغنين و الملحنين ومؤلفي الأغاني ، و تمثلت بثنائيات ومنها على سبيل المثال : (بيرم التونسي و زكريا أحمد ) ، ( صلاح جاهين و سيد مكاوي ) ، ( محمد الموجي و عبد الحليم ) و (زياد الرحباني و جوزيف صقر ) ، هذا النوع من العلاقات التي تسودها الألفة و الأنسجام ، جعل كل فرد يتفهم شخصية الطرف المقابل ،و يعبر عن ما يلائم فكره و إحساسه ، ما ساهم بتقديم أجمل الأشعار و الأغنيات و الألحان التي ما زالت تفرض وجودها لغاية الاّن .

فوزي محسون تخطى هذه المرحلة الثنائية ووصل للرباعية ، تمثل ذلك بعلاقات إنسانية ودودة جمعته بالشاعرين صالح جلال و ثريا قابل ، ورابعهم المطرب طلال المداح الذي التقاه فوزي بالصدفة عام 1960 أثناء تواجده في باحة الإذاعة مع لطفي زيني ، وقتها كان فوزي يهم بتسجيل أغنية بصوته والحانه من كلمات لطفي ، وبينما هو يدندن باللحن قبل تسجيله مر بالصدفة طلال المداح ووقف يصغي له ، وبدون مقدمات طلب منه هذا اللحن ، ولم يخيب رجاءه وقدمه له بدون تفكير كهدية ، من هنا كانت بدايتهما معاً وأفرزت هذه الصداقة أجمل الأغنيات ، ومع هذه الصحبة التي جمعته بطلال و ثريا و صالح تشكَّل هذا الرباعي الجامع بين الكلمة و النغم .

ما تقول لنا صاحب..

الشجن كان القاسم المشترك بين فوزي و طلال المداح ، وبرزت هذه السمة بصوت طلال أيضاً ، وهذا ما يلمسه المستمع في العديد من الألحان التي غناها له المداح ومنها : ياللي جمالك ، من فتن بيني و بينك ، لا تصدق أو تأمل ، كلام البارحة تغير، بعد إيه ترسل كتاب ، عيني يا ولهانة ، روح و فكر ، من بعد مزح و لعب ، يا ماشي الليل فين رايح ، لسه برضه ، الهوى لو تمنى ، عهد الهوى ، بعد إيه ترسل كتاب ، يا حياتي و يا عيوني ، لسه برضه ، ويؤكد بعض المقربين أنه لم يتقاض على هذه الألحان أي مبلغ من رفيق دربه طلال المداح .

من ألحانه أيضاً غنى محمد عبده : زفوا العروسة و لا وربي ، عبادي الجوهر : تلومني ليه ، إبتسام لطفي : يا طير ماذا الصياح ، عتاب : بشروني عنك و جاني الأسمر التي أعادها فوزي بصوته ، وشدا بها بعد ذلك : علي عبد الكريم ،عبد المجيد عبدالله قدم أيضاً ألبوماً غنائياً كاملاً من ألحانه ، ما تقول لنا صاحب واحدة من الأغنيات القليلة التي غناها فوزي من ألحان غيره وكانت من ألحان الموسيقار سراج عمر .

نور الصباح ..

قاربت أعماله 700 أغنية ، وأول أغنية من ألحانه كانت بعنوان : نور الصباح ،و من نصيب المغني و الشاعر لطفي زيني ، و أتبعها بالعديد من الأعمال بعد ذلك ، منها ما غناه بصوته و أخرى لحنها لغيره من المطربين ، وفي هذا السياق قدم أعمالاً من نظم الشاعرة ثريا قابل ومن بينها : حاول كده و جرب ، ما عشقت غيرك ، مهما عني تغيب ، ما عشقت غيرك ، أهو يقول لك ، ما تبقى تهدا تروق ، يا من في قلبي غلا و بودي ، و هذا ما ينطبق أيضاً على أغنيات صاغها لحناً و غناءً من أشعار صديق عمره صالح جلال مثل : مشاوير الهوى ، عتبي عليك ، سبحانه و قدروا عليك ، شوية حب ، روح احمد الله ، ياللي انت بكره مسافر ، من سنين ، أبغي تذكار ، حيارى ، من بعد ما صار حبك ، و يوم اللقاء ، ياللي جمالك ، صفحتي في الحب بيضا و تهرج معاي.

وتعاون مع شعراء اّخرين أمثال : بندر بن عبد المحسن ،خالد الفيصل ، سعود بن محمد بن عبد العزيز ، عبد الرحمن حجازي ، حسن تمراز ، يوسف رجب ، لطفي زيني ، يحيى كتوعة ،عبد العزيز شكري ، ابراهيم خفاجي ، من أشعار عمر بن أبي ربيعة غنى قصيدة : قف بالطواف ، و أراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني ولكن بلحن مغاير لأغنية أم كلثوم .

عشقته ..

لم يكن حدثاً عابراً ما أثارته وسائل الإعلام بداية سبعينييات القرن الماضي ، حول قضية طرفاها فوزي محسون و الموسيقار بليغ حمدي ، وكيف استخدم الأخير مقطعاً من لحن أغنية فوزي الشهيرة : عشقته ولا لي في المقادير حيلة ، ووظفها بليغ كما ذُكر في لحن: الحب كله لأم كلثوم ، توزعت الأراء بين من اعتبر أن الخطوة التي أقدم عليها بليغ سرقة ، وبين من اعتبرها اقتباس ، وكما عرف عن بليغ حمدي بأنه عاشق للتراث الغنائي السعودي ، لدرجة أن اصطحب معه في إحدى المرات اسطوانة لفوزي محسون و أسمعها لأم كلثوم ،ومن هنا تولد إعجابها بألحانه كما سبق ، وهذا ما تطرق له الفنان الراحل طلال المداح في واحدة من حفلات مسرح التلفزيون السعودي موجهاً كلامه للجمهور ، بينما يده تربت بحنو على كتف فوزي ، وصرح وقتها مؤكداً بما لايدع مجالاً للشك بأن أم كلثوم كانت معجبة بألحانه .

عابر سبيل ..

الشهرة التي وصل إليها لم تحل دون أدائه الواجب تجاه جيرانه ، إذ كثيراً ما كان يفاجئهم بحضوره للأعراس مصطحباً معه العود ، و يأخذ مكانه على مسرح خشب حسب تقاليد الأعراس اّنذاك ، ليبدأ بإحياء الفرح بحضور أهالي الحارات المجاورة أيضاً وحتى ساعات الصباح الأولى ، وكل هذا بدون مقابل ، وكثيراً ما كان يحلو لفوزي الإنسان بالجلوس مع الأصدقاء في المقاهي يحاورهم و يسأل عن أحوالهم ، ثم يتابع سيره بالتجوال بأسواق جدة العتيقة ، وظل بيته ملتقى للأدباء و الفنانين السعوديين ، ولم يتأخر يوماً عن الأخذ بيد الفنانين الناشئين ، في سنواته الأخيرة اعتكف بالمنزل متفرغاً لأبنائه و أسرته ، وكان كل ما يقلقه وقتها خشيته من أن ينساه الناس ، وهاهو ورغم مرور سنوات على وفاته منذ عام 1988 ، إلا أن الجيل القديم و الحديث من المطربين اخذوا في الآونة الأخيرة يسجلون أغانيه بصوتهم ويحققون شهرة و مال من خلالها ، ويبقى المرجو أن ينسبوا الفضل لأهله .

ورغم كل شيء ما زال بعض الأوفياء يستشعرون بحسه و صوته ينساب من بين حارات جدّة و بيوتها و شوارعها، مغنياً بصوته الشجي وحسه المرهف أغنيته التي لامست و ما زالت قلوب محبيه :

متعدي و عابر سبيل و الشوق بيَّا يطير

مكتوب لازم أمُرْ مكتوب لازم أسير

يا شارع حبيب الروح عمَّالي أجي و أروح

مستني منايا يطُلْ متمني بسري أبوح

وانا وانا عابر سبيل ..!.