كتبت - سهير بشناق

لم تعد علبة السجائر هي مصدر خوف الأسر وقلقهم حيال أبنائهم وبناتهم أمام مخاوف أخرى أكثر خطورة بدأت بالانتشار بين الشباب والأحداث ممن هم دون الثامنة عشر تنذر بخطر حقيقي على مستقبلهم ونموهم الفكري والجسدي.

والمخدرات إحدى هذه التحديات الجديدة التي بات انتشارها يتزايد بين الشباب والأحداث، تأخذهم إلى عالم ليس لهم، يدفعون ثمنا باهظا جراء التعلق بها.

وهي تبدأ بتعاطي حبوب مخدرة وتنتهي بتعاطي أنواع أخرى من المخدرات توصلهم الى السجون ومراكز الاصلاح والرعاية أو إلى تردي أوضاعهم الصحية نتيجة الإدمان.. التي قد تفضي إلى الموت في نهاية المطاف.

وقد ارتفع في الربع الأول من العام الماضي، وفقا لأرقام مديرية الأمن العام، عدد قضايا المخدرات الكلي المضبوطة بنسبة 40%، كما ارتفع عدد قضايا الاتجار المضبوطة بنسبة 55% وأن 86% من المضبوطين فيها لديهم عمل في حين أن الفئة الأكثر تعاطيا كانت بين 18-28 عاما.

كما أظهرت الأرقام أنه ضُبِط خلال العام الماضي ضبط نحو 40 مليون حبة مخدرة وما يزيد عن واحد ونصف الطن من الحشيش. فلماذا يقبل الشباب على تعاطي المخدرات والحبوب المخدرة ويعرضون أنفسهم لتجارب مؤلمة كالبقاء بالسجون ومراكز رعاية الاحداث علاوة على الأضرار الصحية الكبيرة التي تلحق بهم جراء هذا السلوك؟

اخصائية علم الاجتماع منال عودة تشير إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمتابعة من قبل الأسر لأبنائهم أحد الأسباب الرئيسة لجنوحهم وارتكابهم سلوكيات خاطئة غير مقبولة اجتماعيا ويعاقب عليها القانون كتعاطي الحبوب المخدرة والمخدرات.

وترى أن تزايد انتشار المخدرات، وبخاصة الحبوب المخدرة، بين الشباب يؤشر إلى خلل في بنية الأسرة، وإعطاء الحرية غير المسؤولة للأبناء دون أن يرافقها الرقابة الأسرية وإدامة الحوار بين الوالدين والأبناء وتوعيتهم..

وهذا يجعل الأبناء «يرغبون بخوض هذه التجربة بتأثير من رفاق السوء الذين يزينون لهم تعاطي الحبوب المخدرة ويوهمونهم أنها تبدد أي مخاوف لديهم او قلق؛ ليتطور الأمر لتجربة المخدرات التي تعد أكثر خطورة». وتبين عودة ان الابناء في عمر المراهقة يحتاجون للمراقبة المستمرة وتعزيز لغة الحوار بينهم وبين ابائهم وامهاتهم ولا يجوز منحهم الحرية الكاملة وعدم مراقبتهم ومعرفة اصدقائهم والامكان التي يرتادونها وضبط اوقات خروجهم وغيابهم عن المنزل تجنبا لتعرضهم لمثل هذه السلوكيات الخاطئة. وتؤكد عودة أن التحديات الجديدة التي تحيط بالمجتمع، وبخاصة الشباب، باتت تتطلب «إعادة تفعيل وبناء دور الأسرة لتسترجع مكانها الطبيعي، وخصوص واجبات الوالدين ودورهم الرئيس في الرعاية والمراقبة والمتابعة في جميع تفاصيل حياة أبنائهم لتجنيبهم التعرض لمثل هذا الأمر. وتتعامل وزارة التنمية الاجتماعية مع الأحداث الذين يتعاطون المخدرات والحبوب المخدرة من خلال مراكزها لرعاية الأحداث. إذ تعاملت الوزارة العام الماضي مع 2285 حدثا في قضايا مختلفة تستوجب ضمن القانون الحاقهم بدور رعاية وتأهيل الأحداث منهم 349 حدثا موقوفين بقضايا مخدرات و89 حدثا تم محاكمتهم أيضا بالمخدرات.

وتشير دراسات متعلقة بالأحداث أجرتها الوزارة بأن التفكك الأسري سبب رئيس لجنوح الأحداث رغم أن هناك أعدادا منهم يرتكبون سلوكيات خاطئة يعاقب عليها القانون وهم يعيشون مع أسر طبيعية لاتعاني التفكك الأسري.

إلا أن هذه الدراسات تؤكد أن ضعف الرقابة الأسرية وغياب الحوار بين الأبناء ووالدِيهم والشعور بالوحدة ورفاق السوء تدفع أيضا لجنوح الأحداث، ما يتطلب إعادة توعية الأسر بدورها المحوري اتجاه أبنائها.

ووفق مصدر مختص بالوزارة، فإن أغلب الأحداث هم من الذكور ونسبتهم 96% وفئتهم العمرية تراوح من 12-18 عاما.

فيما نسبة الذين يعانون التفكك الأسري 18% وخروجهم عن القانون والأعراف الاجتماعية، وفق المصدر، هو نتيجة ضعف مستوى تقبل آبائهم وآمهاتهم لهم؛ ما يجعلهم أقل تعلقا بأسرهم وأقل احتراما والتزاما بالمعايير الاجتماعية الضابطة لسلوكهم.

كما أن أسرهم تعاني كِبر أعداد أفرادها وإقامتها بالأحياء الحضرية المزدحمة بالسكان والمساكن وانخفاض مستوى دخلها وتسلط أربابها على بقية أعضائها.

وبينت الدراسات أن الأسر تعاني ارتفاع نسب الطلاق وزواج الآباء من أخريات غير امهاتهم وزواج امهاتهم بعد الطلاق مرة أخرى إضافة إلى تعاطي أحد والديهم الكحول.

وبرغم منع صرف الحبوب المهدئة في الصيدليات بدون وصفات معتمدة، إلا أن هناك من يتمكن من الحصول عليها، في الوقت الذي يشير عدد من أصحاب الصيدليات إلى أن الأمر لا يتعلق بالحصول على الأدوية المهدئة بقدر السلوك الخاطىء في التعامل مع الأدوية، كأن تصرف أدوية معينة مخصصة للحساسية يتم تناولها بطريقة خاطئة أو تعاطيها مع أدوية أخرى تعطي بنهاية الامر مفعول الأدوية المهدئة.

ويلفتون إلى أن الصيدليات التي تصرف أدوية مهدئة دون وصفات طبيبة تعرض نفسها للمساءلة القانونية بحيث تراقب الصيدليات ويجري التأكد من الوصفات الطبية التي تصرف بموجبها هذه الأدوية.

ليبقي عالم تعاطي هذه الحبوب المخدرة والمخدرات قائما في حياة كثير من الشباب يقدمون عليها دون أن يدركوا مخاطرها ونتائجها السلبية على حياتهم ليدفعوا هم ثمن تراخي أسرهم برعايتهم ومراقبتهم ومنعهم دون التورط بهذا الأمر الذي يحملون تبعاته في أيامهم القادمة بأسوأ أشكالها.