«السلطة السياسية العربية تمارس اليوم تسلطاً وقمعاً على المجتمع المدني أكثر إرهابا ودموية مما عرفه سابقاً». د. صادق العظم.

«الديمقراطية» الحقيقية ليست شكلاً بلا مضمون أو صيغة للتحايل وامتصاص الغضب الجماهيري في المجتمع تلجأ اليها النخب الارستقراطية الحاكمة في المجتمعات المحكومة بالقبضة الحديدية. هي «حرية» الانسان في التعبير عن رأيه دون خوف من الحاكم او اعوانه.

في كتابه «تجديد العقل النهضوي» يحدد لنا الباحث والمفكر البارز أ.د. هشام غصيب «كيف تقوم الديمقراطية في مجتمع ما». وهو في سؤاله المشروع هذا يركز على اقطار الوطن العربي بصورة خاصة.

يقول: «إن العملية الديمقراطية في اقطار الوطن العربي التي تدّعي انها ديمقراطية لم تمسّ الاجهزة الامنية لا من حيث البنية ولا من حيث الصلاحيات والوظائف ولا من حين الموازنة. فهذه الاجهزة تظل سيفاً مُصلتاً على رقاب العباد، يمكن ان يستعمل في اي لحظة». (المرجع السابق ص 124). في كلام هذا المفكر الكثير من الصواب، الارستقراطيات البيروقراطية في الكثير من اقطارنا العربية تفرض سيطرتها الامنية على برلماناتها ونقاباتها ومؤسساتها الاقتصادية «لتكون مصادر جديدة للريّع الذي تجنيه من المجتمع». (المرجع السابق ص 125). ربما تغيرّ الواقع اليوم قليلاً في بعض اقطارنا استجابة للتحولات الاجتماعية في العالم.

ذات مرة انتقد الروائي والمفكر السوري محمد الماغوط هذه الصيغة الديمقراطية في الوطن العربي قائلاً: «لكل أمة من أمم العالم مقومات هي: اللغة والتاريخ والدين ماعدا الأمة العربية، فمقومات وجودها: هي اللغة والتاريخ والدين والخوف». في غالبية اقطارنا العربية لا تتمتع الغالبية الساحقة من المواطنين بممارسة الحريات الديمقراطية لان الارستقراطية الحاكمة هي التي تتحكم بهامش الحرية المتاح الى جانب «فئات البرجوازية الطقيلية السائدة في القطاع الخاص».

لم يبالغ هذا المفكر الوطني وهو ينتقد صيغة «الديمقراطية» في الكثير من بلداننا العربية.

وبشفافية اكثر يضيف بأن الكثير من السياسات العامة المتعلقة بالشؤون الاقتصادية والثقافية «تضعها قوى خارجية متنفذة وبمشاركتها غالبا»، وفي مقدمتها الامبريالية والصهيونية العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية». (المرجع السابق ص 125).

وكأني به يشير الى ان «الديمقراطية» في العديد من بلداننا العربية هي «وصفة سياسية» لهذه القوى العالمية.! والمعنى انها ليست نابعة من بيئتنا العربية. وما أسوأ ان تكون «الديمقراطية» «وصفة سياسية» من الخارج. «وصفة» سيئة المقصد.

د. هشام غصيب يستخف بالمزاعم التي تطلق من حين لآخر بأن الجماهير لم تنضج بعد لممارسة نعمة الديقمراطية!

ما معنى كل ما سبق؟

معناه – وكما يقول هذا المفكر- «لا معنى للديمقراطية في الوطن العربي اذا لم تتم في سياق التحرّر القومي والنضال ضد المستبدين والمستعمرين» (المرجع السابق ص 127).

وفي ربط جدلي بين الشأن التربوي والتعليمي والصراع العام من اجل الديمقراطية يقول: «إن الصراع التربوي ينبغي ان يتم بوصفه جزءاً عضوياً من الصراع العام من اجل الديمقراطية.

(المرجع السابق ص 127). واستخدامه لصيغة «الصراع التربوي» لم تأت من فراغ، فهو يؤكد على «دمقرطة التعليم» وترسيخ قيم التحرر القومي النضالية النقدية في نفوس الطلاب، وهذا يقتضي صراعاً مشروعاً مع اية قوى ظلامية تقتل روح المثابرة والابداع والثقة بالنفس لدى الطالب.

د. هشام غصيب المحب لعروبته والانسانية يريد للديمقراطية ان تنسحب على جميع الصُّعد السياسية والاقتصادية والثقافية لا أن تظل شكلاً بلا مضمون. يريد للديمقراطية ان ترسخ في بلداننا العربية بوجهها الانساني لا أن تظل مجرد «ديكور».

ومع الأسف فالمواطن العربي في الكثير من اقطارنا العربية مغلوب على امره. انه مغترب داخل وطنه، وقد وصف المفكر د. حليم بركات حالة هذا المواطن المزرية بأنه «محروم من حقوق التعبير عن رأيه والتجمع، والتعبئة والعمل في تجمعات ومنظمات وحركات واحزاب ونقابات واتحادات. القوة الاقتصادية لا القوة السياسية وحدها اصبحت امتيازاً للطبقات او الجماعات او العائلات الحاكمة. (د. حليم بركات «الهوية» ص 139). أتساءل أخيراً: عن أية ديمقراطية تتحدث نُظمنا العربية ما دامت حياة الانسان العربي لم تعد ملكهُ بل ملك القوة المسيطرة عليه واقصد الارستقراطيات العربية الحاكمة التي تتحدث عن ديمقراطية منقوصة اوغائبة بالمطلق عن ارض الواقع.

المواطن العربي في الكثير من اقطارنا العربية -وكما يقول حليم بركات- «محروم من حقه بالنمو والسعادة والمشاركة في صنع مصيره». (د. حليم بركات، المرجع السابق ص 164).

المواطن العربي - وكما اسلفت، مغترب داخل وطنه!

ما أمر الاغتراب داخل الاوطان!