الإعلان الحكومي عن موازنة انكماشية لعام 2019 كان سيكون متوقعا لو أتى في ظل أوضاع مختلفة على الساحة المحلية خصوصا بعد أن شهد عام 2018 إقرار قوانين ما سمي بخطة الاصلاح المالي التي التزمت بها الحكومة لتحصيل إيرادات اضافية للخزينة العامة. ففي العام الماضي الذي شهد قرارات اقتصادية جدلية واسعة كرفع الدعم عن الخبز و كان اخرها إقرار قانون الضريبة المعدل, حيث كان يمكن أن تشكل هذه الإجراءات فرصة للتحول إلى موازنة أكثر انفتاحا على المشاريع الرأسمالية التنموية كخطوة للتقدم نحو الاقتصاد الإنتاجي بدلا من الاستمرار في الاعتماد على ايرادات الجباية إلا أن ما تم اعلانه حول الموازنة المقترحة قد لا يقود بالضرورة إلى هذا الإستنتاج.

الفكر الإقتصادي الذي يعلن عنه مؤيدو الطريقة الانكماشية في الموازنة يكون في العادة مرتكزا على نظرة مالية لصندوق النقد الدولي والتي ترى أن سبب عجز الموازنة يتعلق بزيادة الطلب ونقص القدرة على الإنتاج وهذا ما يقود إلى مشاكل اقتصادية تؤدي إلى ركود اقتصادي حاد تدفع بزيادة عجز الموازنة و قد يتطور في أسوأ حالاته إلى كساد يتسبب في تضخم عجز الموازنة بشكل أكثر خطورة. في هذا الجانب يتبع صندوق النقد توصيات لخفض نسبة الطلب من خلال تقليل النفقات كرفع الدعم عن الأسعار وتحديد أعداد الوظائف سنويا والحد الأدنى للأجور.الإتباع الطوعي لمثل هذه التوصيات يقابل في العادة برفض شعبي يصل في بعض الحالات إلى موجة إحتجاجات بسبب كون هذه السياسات تؤثر بشكل سلبي على مستوى معيشة الأفراد بشكل أساسي, من هنا تلجأ بعض الدول إلى أساليب لمحاولة تخفيض النفقات العامة عن طريق إتباع طريقة الخصخصة كأحد الحلول.

عندما ننظر الى الحالة الأردنية نجد أن التشعب الحاصل لا يكمن في مجرد النظرة إلى زيادة الطلب على الإنتاج بل لكون بعض عناصر ذلك الإنتاج مرتبطا بالإستيراد فهناك سلع أساسية كالنفط والغاز أسعارها تتحكم في تحديد أسعار العديد من المنتجات كون تكلفة إنتاج هذه المنتجات تعتمد على فواتير الطاقة وهذا كثيرا ما يقود إلى إرتفاع أسعار السلع على المواطن.

من أبرز سلبيات الفكر الاقتصادي القائم على الطريقة الإنكماشية هي أنه يحد من قوة الدولة على إدارة المشاريع الرأسمالية والتي تعد أساسا للنمو الاقتصادي بحيث يكون الفكر الاقتصادي مرتكزا على نقل إدارة تلك المشاريع إلى القطاع الخاص, و من هنا يتشكل هاجس القلق لدى المواطن الأردني حيث أن تجارب الخصخصة في بعض الأحيان تعطي الشركات الخاصة قوة إحتكارية للتحكم بأسعار الخدمات والسلع مما يؤدي إلى تفريغ المشاريع التنموية من أهدافها.

في هذا المجال بدأت الدول العالمية بطرح مفاهيم حديثة فهي تقوم على تطبيق موازنة متوازنة تراعي الأولويات الاقتصادية عن طريق تقنين الموازنة الانكماشية في بعض القطاعات أو بعض أوجه الانفاق, وبالمقابل تطبق موازنة توسعية وترفع الانفاق الرأسمالي في مشاريع يكون العائد الاستثماري فيها مضمونا للتحقيق وعلى المدى القصير مما يساهم في بقاء تلك المشاريع والموارد مؤممة, ففي بعض الدول المتقدمة مثلا تم استحداث قوانين لدعم نظام قائم على فكرة «التمويل مقابل الكفاءة», بمعنى أن التمويل يقوم على مبادئ وشروط يجب ان تتبعها كل مؤسسة حكومية تابعة للقطاع حيث يتم ربط مقدار التمويل بمقدار ما تحققه المؤسسة من نتائج تتعلق بالكفاءة في العمل وهذا ساهم في توفير العديد من الأموال و إعادة استثمارها على سبيل المثال في القطاع الصحي.

في الاردن مثلا عند النظر إلى الموازنة المقترحة لعام 2019 نجد أن بعض المشاريع الرأسمالية قد قفز تمويلها بشكل ملفت من عام 2018 الى عام 2019 عن المبالغ التي رصدت لها لعام 2019 في موازنة عام 2018 حيث لم تقم الحكومة بتحديد الأسباب لزيادة الإنفاق على بعض المشاريع وما الذي تغير خلال عام واحد من إقرار موازنة 2018 كي تختلف الأولويات بمثل هذا الشكل.

النظرة للموازنة الأردنية يجب أن تأخذ معايير متجددة في الإدارة الاقتصادية بحيث يتم الخروج من الأسلوب التقليدي الذي ينتج موازنات انكماشية الى اعتماد موازنة متوازنة تراعي الأهداف وتسمح بتحقيق قدر من النمو الاقتصادي يساهم في دفع عجلة الاقتصاد عن طريق فكر عوائد الاستثمار المؤمم بدلا من الفكر القائم على نظرية تخفيض الطلب و ما يتبعه من من قرارات تقشفية و إيرادات الجباية التي تؤثر على مستوى معيشة الأفراد.