إربد - أحمد الخطيب

بعد أن طرحت مشروعها الشعري، وأثثته ببيانها الأول عام 2017، تطل علينا « حركة نيسان الشعرية»، بثلاث مجموعات شعرية لمؤسسي الحركة، الشعراء: مهدي نصير، د. سلطان الزغول، ونضال القاسم، وتأتي المجموعات الصادرة حديثاً عن دار هبة للنشر والتوزيع، كإيقاع تدويني لمفاصل البيان، مستمدة من التطبيق الشعري أوكسجين استمراريتها وتمترسها خلف المفاهيم الناظمة لعملية البناء الشعري المستحدث والمستمد وعيه من القراءة المتأملة لإمكانية تطوير التجربة الشعرية العربية وتعاقب أجيالها.

تؤسس هذه الأعمال لمساحات واسعة من الإنشاد الإيقاعي الصافي، إذ تتبلور في نصوصها فكرة الوقوف على عدم حياد التفعيلات في البنية الموسيقية، وعدم انجرارها إلى ما وقع عليها من حركات منزوية، أو حركات تُبنى عليها صيغ التبادل الإيقاعي، وهي بذلك تؤشر بوضوح تام على جملة الإحالات التي تركها المشتغلون على الموسيقى الصحراوية التي قعّد لها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهم ينظرون لها نظرة الحاشية، ولم يعرضوا لها كونها تشكل نبرة رئيسية في سياق تكاملية المجاورة التي يحدثها البحر وتفعيلاته.

«امرأة حجرية»، الواقع في 222 صفحة للشاعر نصير، و « حضن الأفول» الواقع في 89 صفحة للشاعر الزغول، و « أحزان الفصول الأربعة» الواقع في مائة صفحة للشاعر القاسم، أعمال شعرية تصدر عن وعي بحسابات الجملة الموسيقية، بعيداً عن طغيان التفعيلة التي بناها الفراهيدي كمركز افتراضي للعملية الإيقاعية، فالأعمال، وفي هذه المحاولة التي تقدمها نصوصها، توزعت الموسيقى واللغة والإحالات فيها على مساحاتها السطرية بين الجملة القائمة على الإضاءة السريعة، والجملة المتجاورة القابلة للتمدد، وفق تسلسل هرمي، يبدأ من الجملة وينتهي بها موسيقياً.

وفي محاولة توليد النظرية التي بُني عليها بيان حركة نيسان الشعرية، تأتي نصوص الأعمال، كمورد تطبيقي، بحثاً عن تذويب النظرية في قوالب نصية قادرة على تشكيل الملمح الذي تسعى الحركة لتجسيده، ففي حين ينطلق بيان الحركة من « عصرنة اللغة الشعرية وربطها بالتجربة والطبيعة والموسيقى والأسطورة والواقع بانبثاقات لغوية وإيقاعية طازجة بعيدا عن القوالب اللغوية والإيقاعية الجاهزة المتولدة في لحظات شعرية تاريخية سابقة»، فإن النصوص التي ضمتها الأعمال تشكل عيناً مبصرة لهذه المقولة وغيرها، إذ يقول الشاعر نصير في قصيدة « ظل امرأة»: « ظلّ ينزف، يهرب، يركض، يسقط، يتسلق الإسطبل، يبحث عن لجام، يبحث عن سائس، عن جسد يسكنه قبل الصقيع، ظلّ يتناسل، ينجب ظلّ وردة، وظلّ امرأة نائمة يتقطر من ثديها الأيسر ظلّ حليب»، فيما يقول الشاعر الزغول في قصيدة « تناص البياض»: « في الطريق إلى مدينة الموتى التي ارتسمت ملامحها، يتراجع المعراج في المسرى إلى اللاشيء، يعصرني الحنين إلى القتل القديم، ذلك القتل الذي لا يقطع الأشلاء والقطع التي كانت كيانات من البشر الحيارى»، ومن جهته يقول الشاعر القاسم في قصيدة «لشتاء خيل الذاهبين إلى يبوس»:» على جرح قافلة بكينا جرحنا، لنبدأ الكلام، لقصائد نسجت على غير ذي فرح، سنبدأ النشيد، لقصائد نسجت على غير ذي فرح، سنبدأ من جديد، فالملايين تبكي عريها، ليتها تصحو لتحكي حزنها، ليتها يوما تثور».

هكذا تولد الموسيقى وتتوالد، تتشابك وتنقطع، تتقلص وتتمدد، وتقترب من فعلها الصحراوي، وتفترق عنه، كما هي اللغة، تأخذ من امتدادها، تشكله، وتنفرد به، وتسعى للوقوف على رؤيته، وهكذا تنتج النظرية في الأعمال مكابداتها، وتنشئ مخرجاتها، وتلتفت إلى حضورها النصّي دون الوقوع تحت تأثير الإصغاء الذي يولّده القالب الموسيقي المنجز.

أما ما يخصّ اللغة ومنتجها التشكيلي، وبعثها لأنماط غيرية قادمة من عصر الشاعر وبيئته، فإننا نلحظ ثيمة التماسك التي تؤطر النص، فلا لغة خارجة عن سياق العصر، ولا رؤية قادمة من أغوار أخرى، ولا بنية تحيلك إلى فضاءات ممسوسة، يقول الشاعر نصير في قصيدة « سماء رمادية»: « السماء رمادية، ودمي يتناثر، تسعفه الريح مثل الرماد، الحمام رمادي، ووجهي، والعتبات المبللة، تحت أحذية خرجت في الصباح المدبب مسرعة، حيث كانت قوالبها تتعرج في الطين الرمادي نحو البعيد»، إلى ذلك نرى الشاعر الزغول يقول في قصيدة « الشاعر»:» يشرق الشاعر بالغيم، فيشرب الفضاء، يتوضأ بالعشب ويريق بقايا البريق على الكلمات، يمسح أهداب الفجر ليوقظ الليل، يدنو من رعشة الندى فيتفتح النهار، يربط قلبه بخيوط نيسان، فتفيض الأرض بالبهجة»، أما الشاعر القاسم فيؤكد في قصيدة « كل شيء يذكرني بليلى»، على امتداد عصره في حيوات الكتابة وملاحقتها، حيث يقول:» فندق الصداقة، ساحة التحرير، يي تشانغ، تشونغ شنغ، يي خويوان، حي ديان، سور الصين، قوس الشمس والأزهار، فواحة مذهلة، كل شيء يذكرني بليلى، الثلج، والسوق القديم، والذكريات، بحيرة البجع، إشارة المرور والشوارع».

وتأتي الأعمال الثلاثة على قراءة واعية للموروث الدلالي الذي تنشده للإصغاء إلى مؤثرات العصر، دون الوقوع بالتكرار، أو التناص الزمني، أو اللجوء إلى استحضاره موئلا مرجعيا فقط، أو قراءته من جديد، حيث تستدعيه لتفعيل صلة التعاقب الذي تهدف إليه حركة نيسان، فنرى الشاعر نصير يقول: « لوجهك البدوي نقش تحت ذقنك الهلالية، حين كنت ترفعين وردك الصغير فوق ياقة القميص الحجري، الذي كنت ترتدين في المعارك والظلام»، فيما يستدرج الشاعر الزغول الموروث للوقف على عتبة العصر، حيث يقول:» أسأل عن عناة، قيل كانت تتشمس قبل أن ينقطع رأسها ويسيل موتها على سقوف تنمو فوق سقوف تعلوها سقوف، أين أنا يا أبي، يا فرسا وزيتونا وانتظارا، يا أفقا يتجدد، يا وعدا، يا حلما، يا « بعلا»، تتساقط نجمات الحقل، يبتعد الضوء، أشرب العتمة مع الصديد»، فيما يراقب الشاعر الموروث لينأى عن سبخ الواقع، حيث يقول:» قمر على جلعاد، وبريق أرواح من اليرموك قد عرجت ومن ذي قار، غصن أخضر ويمامتان، صلصال ودفلى، ذئب تائه يعوي، صدى إيقاع أغنية، فراش أزرق، صفصاف، ركام مدينة جرداء، قحط، أرخبيلات، بلابل، بحر ميت».

هكذا تتشكل الصورة المتخيلة في البيان تطبيقياً في الأعمال الثلاثة التي تحتاج إلى قراءات متأملة لكل المقومات التي حفرتها في بيان الحركة الأول، لتطوير الشعرية العربية، حيث تنمو الصورة الكلامية وتتمدد إلى أن تصبح فعلا واقعياً يتماس مع الموروث ويقف على عصر الشاعر وبيئته، ويتعاقب معه لغة وموسيقى وبناء لا إحالة له، لأنه مرهون بما يعيشه الشاعر في مكابداته.