مع رحيل عام 2018 يكون قد مضى على انطلاق مسيرات العودة أربعين اسبوعا، ويبدو أنها تركت أثرا واضحا على المشهد الفلسطيني وتداعياته، من ناحية انها دفعت بالقضية الفلسطينية إلى الصدارة من جديد، باعتبارها قضية اللحظة الراهنة، وطرحت الملف مجددا في المحافل الدولية والإقليمية، وزادت من حالة الإشتباك الذي بدا وكأنه خفت خلال السنوات الماضية، وما زالت رغم مرور تسعة شهور على انطلاقها تحافظ على قيمتها وطاقتها، وأنها سوف تعبر بتلك القيمة والطاقة للعام الجديد.

تحول دراماتيكي مذهل في استراتيجية النضال الفلسطيني، باعتماد المظاهرات السلمية منهجا لطريق العودة، بدأت الحكاية في آذار/مارس وفي الجمعة الأولى من يوم الأرض، استعدادا لمنع تنفيذ قرار الرئيس الأمريكي بنقل سفارة بلاده الى القدس... مسيرات سلمية كشفت نفاق المجتمع الدولي الذي ترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة غرور وغطرسة المحتل.

استثمرت مسيرات العودة الأدوات السلمية والتلقائية الشعبوية، فضلا عن استخدام وسائل الإعلام الحديثة التي شكلت نقلة نوعية في المشهد الإعلامي أمام الرأي العام العالمي، وعلى الرغم من محاولات الإحتلال افشال هذه المسيرات إلا أنها صمدت واستمرت وشكلت حراكا نضاليا بامتياز.

وكما كان متوقعا لم تتوان اسرائيل في إطلاق الرصاص، فقتلت وجرحت الكثيرين، لكنها فشلت في إخماد قبس المسيرات، بل إن مسيرات العودة بسلميتها وحشودها وامتدادها إلى بعض مناطق الضفة، أحرج الحكومة الإسرائيلية ووضعها في مواجهة استحقاقات لطالما تهربت منه.

الشعب الفلسطيني في عام 2018 يختلف عن الأعوام السابقة، فقد شهد هذا العام نقلة حضارية متطورة جدا في النضال الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة، والتاريخ سيتحدث عن فلسطين وهذا التطور المذهل في نضاله العظيم... مسيرات سلمية حملت رسائل أخلاقية للعالم، تؤكد حقهم في الأرض وحق اللاجئين في العودة، وأظهرت للعالم بأكمله أن الفلسطينيين قادرين على قيادة القضية الفلسطينية دون حاجة المجتمع الدولي، وأنهم القادرون على تحمل مسؤولياتهم التاريخية لبناء المستقبل، حتى لو اختفى الدعم الدولي.

مسيرات العودة حملت أساليب فنية رائعة، وجملة من الوسائل والطرق المذهلة، لمواجهة الرصاص وقنابل الغاز الإسرائيلية، وتكنيكات بارعة وجديدة وهامة في إطار النضال السلمي، وهي عبارة عن ثورة أخلاقية بكل مقاييس الثورات عبر التاريخ.

مسيرات الثورة الأخلاقية الفلسطينية أوجدت عند عدد من الإسرائيليين القلق الوجودي، وبعض السياسيين الإسرائيليين ومنهم يوسي بيلين الوزير الإسرائيلي السابق، وأحد مهندسي إتفاق أوسلو، الذي قال إن اسرائيل لا تزال حتى الآن دولة ناشئة، والدول المحيطة بإسرائيل تنظر إليها كدولة عابرة رغم مرور سبعين عاما على إعلان تأسيسها.

استطاع الفلسطينيون أن يبهروا العالم بالمسيرات السلمية والحضارية والأخلاقية دون تفجير أو إراقة دماء ودون أن يطلقوا رصاصة واحدة، أو القيام بأي أمر مخالف للقانون الدولي.

مشهد تاريخي يبعث في النفس المنى والأمل، حين نشاهد هذا العدد من الجموع يتحرك نحو السلك الشائك، ليعيد الفلسطينيون بداية الحكاية من جديد... نضال بطولي مذهل، وكفاح سلمي، وتضحيات غير مألوفة يقدمها الشباب الفلسطيني وهم يواجهون الرصاص، ويقدمون الشهيد تلو الآخر بشجاعة وبسالة... مسيرات العودة إهداء من الشعب الفلسطيني إلى الأمة العربية، ولكافة الأخلاقيين والأحرار فوق هذا الكوكب.