في علم السياسة والعلاقات الدولية، لا يوجد تعريف واحد مُرجَح لمعنى التنافس لأنه يختلف من بلد إلى آخر وفق مصالح ومعايير تراها الدول بتلسكوبها الخاص. لكنها بلا شك، تعمل جميعاً على مبدأ التضادات الإقليمية والدولية للحصول على مكتسبات وتنازلات من كافة الأطراف. فما هو التنافس ومن يضع متلك المعايير وكيف؟

في سياق العلاقات الدولية، يُعتبر التنافس حالة عدائية دون الوصول إلى نزاع أو صراع مُسلَح بين دولتين أو أكثر سعياً للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية لكل منها. وهذا يحمل في طيَاته السعيَ للهيمنة، وتوسيع النفوذ، والرخاء والازدهار الاقتصادي للشعوب ذات العلاقة على حساب شعوب أخرى.

في العصر الحديث، انحصر التنافس بين ثلاث دول: الولايات المتحدة، روسيا والصين. فالولايات المتحدة ورثت النظام العالمي اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية ما أهلها للتحكم بالعالم لعقود سياسياً وعسكرياً وإعلامياً. وباستثناء فترات قصيرة جداً، كانت مساهمة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي كبيرة جداَ لأن خسارتها كانت محدودة في تلك الحرب. ففي عام 1960، كان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يمثل 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبحلول عام 2014، انخفضت مساهمة الولايات المتحدة الاقتصادية لتصبح 25 بالمائة. وبسبب هذا التراجع، أصبحت معايير التنافس معها أسهل لأن بيجينغ تنافس واشنطن اقتصادياً وموسكو تقارعها عسكرياً.

نعم، كان إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي العالمي في الفترة من 1960 إلى 2014 متذبذباً على النحو التالي: في عام 1960 ، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 543 مليار دولار وبلغ الناتج المحلي الإجمالي العالمي 1.367 تريليون دولار. لذلك، كان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (543 مليار دولار/ 1.367 تريليون دولار). وظل هذا الأمر لمدة 10 سنوات تقريباً على الرغم من كل التطورات السياسية والاقتصادية في العالم.

ولكن، بحلول عام 1980، انخفضت مساهمة أميركا في الاقتصاد العالمي إلى 26 بالمائة مما اضطر الرئيس الأميركي رونالد ريغان آنذاك للتدخل ورسم السياسات. وفي عام 1985، ازداد دور أميركا الاقتصادي في العالم بشكل كبير، حيث ارتفع إلى 34 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لكن سرعان ما تبع ذلك فترة أخرى من التراجع لم يتحسن فيها الاقتصاد الأميركي حتى انتهاء ولاية الرئيس بيل كلينتون الثانية إذ كانت مساهمة الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي 32 بالمائة. اما اليوم، فيُسهم إجمالي الناتج المحلي الأميركي بنسبة 22 بالمائة فقط من الناتج الاقتصادي العالمي. ماذا حدث؟ لماذا انخفض دور أميركا في الاقتصاد العالمي بنسبة 50 بالمائة تقريباً منذ عام 1960؟

من المرجح أن تكون أنماط المنافسة العالمية معقدة ومتنوعة وهنا ينبغي على الولايات المتحدة أن تفكر في المرحلة القادمة بأن المنافسة ما عادت قصيرة المدى بل مستندة على أسس استراتيجية تعني الحياة أو الموت لكثير من الدول. فالتنافس في المستقبل قد يكون عبر الصدام المباشرسياسياً حول الطموحات الإقليمية أو الدولية للأطراف الأخرى، أو قد يكون منافسة فردية بين لاعبيِن إقليميين تقود إلى تأثيرات وتداعيات دولية، أو قد يكون التنافس اقتصادياً وأيديولوجياً وثقافياً وإعلامياً واستخباراتياً وعسكرياً وتكنولوجياً. وهنا قد ترغب الدول في كسب الكثير من تلك المعطيات لتكون لها اليد الطولى عالمياً وإقليمياً بحيث تحصل على كل ما يؤهلها لكسب المعركة فيما بعد. ولكن المستقبل القريب يكشف عن أن الصين هي الدولة الناشئة الوحيدة التي تجمع بين القوة الاقتصادية والعسكرية، ويُذكي ذلك الطموح نار التنافس العالمي على رقعة شطرنج الموارد الطبيعية العالمية وخصوصا في قارة أفريقيا التي ستكون في السنوات القادمة بؤرة التوتر بين الدول الثلاثة إذ إن استمرارية تفوق أيٍ منها وبقائها على الساحة الدولية كقوة اقتصادية و/أو عسكرية مستمد من السيطرة على الموارد في تلك القارة.

من المحتمل أن تكون عملية إدارة التنافس الدولي والإقليمي مع الاحتفاظ بالزعامة الحالية للولايات المتحدة أمراً مشكوكاً فيه نظراً لكثرة أعداء الولايات المتحدة من الدول ومن غير الدول. ولعل التنافس على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية هو المقياس لقوة أي دولة. فاليوم نرى أن روسيا والصين تتسابقان إلى دول المنطقة مُستندتيْن إلى مجموعة من القضايا التي تخدمهما. وهذه المسائل هي: الصراع في سوريا، اليمن، فلسطين، ليبيا، الإرهاب العابر للحدود والإرهاب الفكري، ووجود عناصر مقاتلة في التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وليبيا من الروس والإيغور الصينيين.

لذلك، لا يمكن أن تفرض واشنطن إملاءاتها السياسية على الصين وروسيا في هذه المسائل التي تمسُ أمن موسكو وبيجنغ القومييْن. كما أن رغبة روسيا في سحب الملفات المعقدة من واشنطن مثل ملف القضية الفلسطينية والصراع في ليبيا وغيرها من بؤر التوتر التي تُشكل بدورها بيئة خصبة ومناسبة للفوضى التي يعتاش عليها الإرهاب والتطرف تهدف إلى تخفيف اعتماد العالم على واشنطن في قضايا الصراع الدولي وخصوصاً تلك البعيدة عن أراضي الولايات المتحدة. فهل نشهد في المستقبل القريب تراجعاً أيضاً في مساهمة الولايات المتحدة اقتصادياً في العالم ما يؤثر على دورها السياسي؟