لا يمتلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب رؤية استراتيجية أو ينطلق من فلسفة؛ بل إنه من الصعب العثور على منطق داخلي متماسك في تصريحاته ومواقفه، ومع ذلك ظهر ما يعرف بالترامبية أو Trumpism، وهي محاولة غير مخططة لوقف تدهور القوة الأميركية وتغيير مسار السياسات الأميركية. إلا أن الظاهرة الترامبية تُعد أيضاً تحولاً ذات طابع اجتماعي سياسي، فالمجتمع الأميركي في مستهل الطريق نحو الدخول في مرحلة جديدة من الحركية الاجتماعية تتمثل في انتقاله من سؤال الدولة إلى طور سؤال الأمة.

إلا أن الترامبية عند البعض تعني صخب التغير والتحول واللا استقرار، والمعارك المتواصلة مع موظفي البيت الأبيض، ومستشاري ترمب، والصحافة الأميركية ورؤساء دول حليفة للولايات المتحدة في أوروبا وأميركا، ثم مع الصين. بحيث غدت الترامبية هي أحد تجليات الشعبوية المستندة إلى القومية الضيقة، والنزعة الاستعلائية، والتقليل من شأن الأفكار والمؤسسات، وتعظيم دور القائد أو الزعيم الملهم القادر على التحدي وخوض صراعات ومعارك داخلية وخارجية لا مفر منها حتى يمكن مواجهة المؤامرات الخارجية والداخلية التي تهدد الوطن، وتعرقل عملية تغيير أميركا إلى الأفضل.

والحقيقية أن هناك مداً شعبوياً في كل أنحاء العالم كرد فعل على العولمة والآثار السلبية لاقتصاد السوق الذي لا يراعي العدالة الاجتماعية، ويبدو أن هذا التيار وجد في ترمب قائداً له أو نموذجاً يحتذى. وبالرغم مما سبق، فإن المُلاحظ أن الترامبية أيدلوجيا بمعنى الوعي الزائف بالدافع والترويج لأحلام وأوهام قومية، ويتم إبقاؤها متماسكة معاً بطرق كثيرة، بواسطة بعض المواقف السياسية والمبادئ الايديولوجية القومية المتطرفة، كما أنها تصبح قوى فاعلة من خلال قوة كلمات ترمب التي تحمل قدراً هائلاً من الوزن والتأثير. والمفارقة أن ترمب لم يهتم بالأفكار أو يلتزم بتيار سياسي أو فكري محدد، فالرجل غير انتماءه الحزبي خمس مرات منذ عام 1987 وحتى ترشحه للرئاسة، من هنا يصدق القول على أن الترامبية أيديولوجية مراوغة فهي سطحية وصلبة ومتقلبة، وبراجماتية، ومرتبطة بشخصية ترمب النرجسي ورجل الأعمال الناجح والمثير للجدل والدهشة والاستغراب.

كانت «نصف الهزيمة» التى لحقت بترمب في الانتخابات النصفية لمجلس الكونجرس، تعبيراً عن قدرة الآليات الديمقراطية على إثبات فاعليتها في مواجهة الشعبوية الجامحة.

بالوسائل الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع تبدت قوة الرفض في المجتمع الأميركي لخطاب التحريض ضد المهاجرين والتمييز العنصري، على أسس عرقية ودينية والاستهانة بقضايا المرأة والسخرية من الحريات الصحافية والإعلامية.

لم يكن ممكنا أن يسيطر الحزب الديمقراطي على مجلس النواب دون المساندة الكبيرة التي حازها من كبريات الصحف والفضائيات ومؤسسات المجتمع المدني والأقليات السوداء واللاتينية والمسلمة وجماعات المرأة والشباب. حركة المجتمع قبل أي شيء آخر وضعت ترمب في حالة أفول نسبي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2020. ورغم حفاظ الجمهوريين على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ، فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب سوف تكون لها تداعياتها في إرباك أجندة البيت الأبيض التشريعية وإخضاع الرئيس للمساءلة، فيما هو منسوب إليه من اتهامات قد تفضي إلى عزله.

ويبقى التوازن بين جموح الترامبية ورسوخ وعقلانية مؤسسات الدولة، ويستند هذا التوازن إلى الدستور، والقانون والخبرات التاريخية، وكل ذلك ينظم تقاسم السلطات بين الرئيس وباقي مؤسسات الدولة، ومن الصعب أن ينفرد الرئيس الأميركي مهما كانت شخصيته أو شعبيته باتخاذ القرار، أضف إلى ذلك قوة الصحافة والإعلام وتأثير الرأي العام، وبالتالي مهما بدا اندفاع أو تهور ترمب في بعض تصريحاته فإن آليات صنع وتنفيذ القرار عبر المؤسسات المختلفة تعقلن تلك التصريحات أو تخفف من آثارها حفاظاً على المصالح الأميركية الثابتة.