أبو ظبي - زياد الرباعي

تُحيك أبو ظبي نسيج التاريخ باستذكار قصر الحصن ودوره في قيام الإمارات العربية المتحدة، الذي وضعت أولى لبناته من حجارة البحر والمرجان عام 1795، ليكون الحامية البحرية بعد صحراء تعد الأجمل ضمن امتداد الربع الخالي العربي باتجاه الإمارات العربية، التي أعلنت اتحادها عام 1971 لتبدأ مسيرة البناء والنهضة، ومن الحصن ايضا اقيم اول مجلس استشاري برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

غلبة التطور والحداثة في أبو ظبي لم تشغلها عن ماضي الدولة، التي قررت تجديد بناء حصنها لتعيد احياء إرث الأجداد والاباء ،بروح العصر لتفاصيل الماضي بميزاته وتحدياته ،عبر مؤثرات صوتية ومرئية ،لتتزامن مع الذكرى 47 لتأسيس الدولة، ومرور مئة عام على ميلاد باني النهضة الحديثة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان.

حكاية الحصن، يرويها رئيس دائرة الثفاقة والسياحة محمد خليفة المبارك لفريق يمثل الاعلام العربي والدولي بينها «الرأي » عند مدخله فيقول :ان الدائرة أكملت أعمال الترميم والتجديد التي بدأت عام 2007 بروح عصرية تعتمد المؤثرات الصوتية والمرئية والتفاعلية، لتحيي روح الماضي ليصبح الحصن بمكوناته الأربعة قصر الحصن والمجلس الاستشاري وبيت الحرفيين والمجمع الثقافي الوجهة التاريخية والثقافية لقلب ابو ظبي، اذ تشكل منطقة الحصن البؤرة التي انطلق منها التخطيط لابو ظبي المدينة الحديثة.

وكيل دائرة السياحة والثقافة في ابو ظبي سيف سعيد غباش يقول أن افتتاح منطقة الحصن يحقق بعدين، الأول حفظ التاريخ والتراث الثقافي وتقديمه للاجيال، والثاني تطوير وجهة ثقافية جذابة تجمع التاريخ والتراث والمعاصرة ،وتعد مرحلة جديدة في التخطيط الثقافي.

وتقول مديرة قصر الحصن التي عينت حديثا سلامة ناصر الشامسي ان الحصن يجسد الارث الحقيقي لابو ظبي، وسيكون هناك برنامج على مدار العام للزوار في القصر ،وفعاليات تعيد تصوير الحياة اليومية للاجيال الماضية.

صالات القصر وغرفه

الجولة داخل الحصن لا تكون سريعة ،لان لكل زاوية ولوحة قصة ،تبدأ بعد مدخل يصطف حرسه للترحيب بالزوار بلوحات مكتوبة ومرئية ،تحكي تاريخ «بني ياس « والاشعار التي كانت تلقى في حضرة الشيخ زايد الاول الذي توفي عام 1909، وتؤرخ لتلك الحقبة الزمنية، حيث تعرض الاماراتيات اللواتي تدربن على قراءة التاريخ ودقة التفاصيل والالقاء المثالي لمرافق الحصن، فقدمت خولة العبدالله وفاطمة الشامسي وشمة الفهيم مع تتابع المسير بين الحصن الداخلي والقصر الخارجي والساحة السماوية وبرج الحماية التاريخي.

فيقلن: ان التاريخ يبدأ في الحصن قبل 250 عاما ليشكل استيطانا بشريا على جزيرة ابو ظبي ،على شاطئ الخليج العربي غير المأهول بالسكان في تلك الحقبة الزمنية ، فجال بنو ياس بحثا عن المياه والمراعي ومقايضة التمر بمحاصيل يريدونها لمعيشتهم، وجاءوا الى ابو ظبي من واحة ليوا لصيد السمك، والبحث عن اللؤلؤ في اعماق البحر ،وجمع الملح ،الى ان قرر الشيخ ذياب بن عيس الاستقرار في ابو ظبي بالعقد السادس من القرن الثامن عشر ، فكان برج المراقبة والحصن للحماية من الاخطار.

ويشكل الحصن ببرجه الدفاعي المعلم الأهم وشكل موقعا استراتيجيا تمر به القوافل التجارية البرية والبحرية ،ونقطة وصل مع المحيط الجغرافي، فنقلت قبيلة بني ياس تحت حكم الشيخ شخبوط بن ذياب مقر الحكم الى ابو ظبي، ليبدأ اول التواجد السكاني الاولي بنحو 12 الف نسمة ،عدا القادمين لتجارة اللؤلؤ ،والغوص في اعماق البحر الذي شكل نافذة ثقافية ومنفذا الى العالم.

في القصر الخارجي تذكر الراوية الامارتية ان الشيخ شخبوط بن سلطان ال نهيان، شيد العديد من المرافق والتوسعة في اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين وكان مركزا للحكم بتفاصيله اليومية.

وعلى اطراف القصر برج المراقبة الشمالي الشرقي، ومجلس الشيخ شخبوط ، وبوابة العائلة للخروج ، والفناء الداخلي.

وفي الجناح الشرقي كان مقر الحكم والادارة والاستقبال.

وفي الجناح الغربي كانت المنطقة الخاصة بالعائلة الحاكمة ،من غرفة الشيخ شخبوط بن سلطان بكل مقتنياته ،من كتب وساعة وراديو وغيرها ،وغرفة ام الشيوخ الشيخة سلامة بنت بطي، ثم مجلس النساء وادارة شؤون القصر.

اما في الجناح الغربي فتتعرف على العاب اطفال القصر واحتفالاتهم بالزفاف والمناسبات المختلفة ،ثم غرفة الادارة والارشيف.

القصر الخارجي

جاء بناء القصر الخارجي ليعلن عن حقبة جديدة بعد ان وقع الشيخ شخبوط عام 1939 ،أول امتياز للتنقيب عن النفط في ابو ظبي ، فجاءت خيرات النفط بديلا عن عائدات اللؤلؤ التي تعرضت للكساد بسبب اللؤلؤ الصناعي ، فبدأ الحصن كمقر للحكومة الفعلية ،يمنح وثائق السفر والتراخيص، وكل المتطلبات الادارية لشؤون المدينة، التي تتسع عاما بعد اخر ،واصبح مزارا للقادة والدبلوماسيين والعاملين في النفط ،فشيد في القصر جناحين فاخرين وابراجا وساحة واسعة ،ورافق ذلك توسع البناء في حدود ابو ظبي ،ما استلزم اقامة البنى التحتية كالطرق وبناء المدارس والمركز الصحي وأنابيب المياه.

في غرف الحصن واروقته وساحتها المبلطة من جص البحر وجدرانه من ملاط البحر (رمال بيضاء ممزوجة مع جزيئات من الاصداف البحرية المسحوقة) ،وسقفه من اخشاب القرم وطبقات الحصير المنسوجة من عسف النخيل) تروى حكاية الامارت والتأسيس، فكان للشيخ زايد الاول ادوار في حل خلافات القبائل ، عدا رسائله الى ولده وخواتم ذهبية لبناته ،وهديته من سلطان عُمان.

وبعد حكم الشيخ شخبوط يأتي دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الذي تولى الحكم عام 1966 ليؤسس الدولة الحديثة ،بعد انهاء الوجود البريطاني عام 1971 ليتم التوافق على قيام كيان سياسي باسم الامارات العربية المتحدة المؤلفة من ابو ظبي ، دبي ، الشارقة ، رأس الخيمة ، العين ، ام القوين والفجيرة.

فيأتي انشاء قاعة المجلس الوطني الاستشاري الاول عام 1968 في طرف الحصن الذي ما يزال يحتفظ بمرافقه ومقاعده ،وخلف كرسي الرئاسة يأتي صوت الشيخ زابد بن سلطان عبر شاشة تلفزيونية ليعيد ذاكرة التاريخ لاجتماع شيوخ الامارات وقراراتهم، التي تظهر إنجازات على ارض الواقع في مختلف المجالات ومرافق الحياة ،فابو ظبي وغيرها من مدن الامارات تضاهي مدن العالم المتطورة ان لم تكن الافضل.

ووجه الشيخ زايد لبناء المجمع الثقافي في الركن الجنوبي من قصر الحصن، كما وجه لتأهيل قصر الحصن بالكامل واعادة تأهيل الديوان الاميري القديم ليعود الى تصميمه المعهود قبل عام 1904 بحسب صورة التقطها في هذا التاريخ هيرمان بورشارت. حصن ابو ظبي بابعاده (400)(400) متر كان المبتدأ والمركز، ليكون الانطلاق أشعة شبكية عبر طرق الى العالمية ،من خلال الابراج العملاقة للمراكز التجارية ،والجامعات التي تتشارك مع السوربون الفرنسية ،ونيويورك الاميركية ولوفر ابو ظبي، ومسجد يخلد ذكرى باني النهضة والدولة الحديثة الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان .