حظي مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2019 باستقبال فاتر لدى الرأي العام وفي مجلس النواب رغم حديث أكثر من 70 نائبا في المناقشة الأولية اغلبهم انتقدوا مشروع القانون والسياسات الحكومية الجبائية، قبل أن يحيلوه الى لجنتهم المالية.

في المقابل اقتراح رد المشروع لم يحظ بأكثر من 14 صوتا من أصل 73 نائبا حضروا لحظة التصويت، وكان واضحا حجم الملل لدى النواب من الموازنة الثالثة التي يناقشونها والأحوال المعيشية للأردنيين تزداد سوءا.

نتساءل هل نحن بلد فقير؟ لا اعتقد ذلك. إذن إما أن نكون بلدا مسروقا او بلدا بلا إدارة، وأنا أميل للفرضية الثانية، إي إننا بلد بلا إدارة حصيفة والحكومات تتداور فقط لتدير الأزمات لا لتحلها.

والمواطن الأردني ضحى ويضحي دائما لأنه يحب بلده ونظامه السياسي ولا يحب الفوضى، لكنه يريد أن يرى نورا في نهاية النفق. وكيف له أن يثق بكل ما يراه وهو لم يلمس نتائج الثمن الكبير من التضحية التي يدفعها منذ عقد ونصف من الزمن، لا بل انه يحصد ترديا في أحواله المعيشية وخدماته العامة من صحة وتعليم ونقل عام وطرق وبنية تحتية.

الأردني يقول في نفسه لو إن هذه الموازنة آخر المعاناة وآخر زيادة في الضرائب وستضع حدا لوجعنا المعيشي لقلنا نصبر من اجل المستقبل، لكن للأسف فان كل موازنة تأتي بعجز لا يقل عن سابقه.

كيف لمشاكلنا أن تحل والإنفاق الرأسمالي المنتج للنمو وفرص التشغيل لم يرصد له في مشروع الموازنة الجديدة أكثر من 1242 مليون دينار وهي تقل ب 128 مليون عن الرقم المخصص كعائدات تقاعدية للعام القادم.

المشكلة متكررة، ويبدو أننا ما زلنا في مرحلة تقليص الضرر وليس جلب المنافع، والحل ينحصر في تغيير نهج السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أوصلتنا الى هذه الأوضاع الصعبة والمديونية المتصاعدة، فقد اكتشفنا أن نهج الخصخصة قد باع مقدرات الوطن حيث بعنا الدجاجة (البياضة) لشراء طبق بيض.

إذا أردنا أن نضع أنفسنا على الطريق الصحيح، يجب إعادة التوازن لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وإعادة ترميم الطبقة الوسطى لأنها عصب النظام السياسي وحزبه الأمين، وهذا لا يتأتى إلا بإعادة الاعتبار للقطاع العام.

الحكومة وعدت بإعادة دراسة العبء الضريبي الكلي قبل تعديل قانون ضريبة الدخل وتقديم مشروع الموازنة، لكنها فعلت ذلك بدون دراسة وبدون تحديد هدف تعديل قانون الضريبة، وهو معالجة التهرب الضريبي وتحسين أدوات التحصيل وليس زيادة الشرائح الخاضعة للضريبة، فهذا يأتي بعد الانتهاء من التهرب ومعرفة مقداره.

اليوم نحن بحاجة الى ترميم العلاقة بين المواطن والدولة، لان هذه العلاقة اهتزت وتراجعت نتيجة ممارسات الحكومات، لذا على المؤسسات الدستورية في الدولة أن تمارس دورها كاملا غير منقوص وأولها البرلمان والحكومة والقضاء والإعلام.

أما قضية الفساد والفاسدين فان الحديث عنه ازداد والاتهامات كثرت لكن لا حلول مقنعة، فالناس بحاجة الى فاسدين خلف القضبان، وإنهاء هذا الملف او التقدم به مرهون باسترداد الأموال المسروقة والأشخاص الهاربين وإغلاق ملفات رئيسية.

إن مخرجات قانون ضريبة الدخل الجديد ستعمق الأزمة الاقتصادية، لذا لا بد من تدارك الأمر سريعا بتخفيض ضريبة المبيعات وإلغاء بند فرق المحروقات على فاتورة الكهرباء وهما بندان سيؤثران على النمو الاقتصادي والقدرة الشرائية وحركة السوق.

nabeelghishan@gmail.com