أحمد مغربي

وباء «إيبولا» والتصوّر الافتراضي لـ»المرض إكس»

استعصاء وباء «إيبولا» في أفريقيا يذكّر بالنموذج الافتراضي الذي سمّاه خبراء الأوبئة «المرض إكس» Disease X، إشارة لكونه محض افتراض علمي، عما يحتمل أن يكون مرضاً يصعب وقفه. وكذلك يذكّر بتحذير بيل غيتس عن عدم وجود جاهزية دولية لمواجهة أوبئة مقبلة.

استراتيجية مفقودة

الأرجح أن متابعي مسارات الأوبئة عالمياً، باتوا كمن ينام على حد الشفرة مع تواتر الأخبار عن استعصاء موجات وباء «إيبولا» في أفريقيا، في ظل تجدد انتشاره [وهو لم ينحسر تماماً بالأصل] في الكونغو حاضراً. وطري في الذاكرة أن موجة مقيتة من انتشاره في غرب أفريقيا استمرت بين عامي 2013 و2015، تسببت بقرابة 12 ألف وفاة، و30 ألف إصابة مؤكدة، إضافة إلى تهديد حياة ملايين البشر. آنذاك، كاد «إيبولا» أن يتحوّل جائحة عالمية، مع ظهور إصابات محدودة في أوروبا وأميركا، وتصاعد القلق إلى حدّ أن وزارة الخارجية الأميركية نددت، آنذاك، علناً بفشل «منظمة الصحة العالمية» في صد زحف ذلك الفيروس، في أفريقيا وخارجها. وفي 2015 أيضاً، نشر بيل غيتس، المؤسّس الأسطوري لشركة مايكروسوفت، بياناً تحذيرياً، استند فيه إلى خبرة «صندوق ميليندا وبيل غيتس» في مكافحة الأوبئة، ليؤكّد أن العالم يفتقد إلى قدرات استراتيجيّة منتظمة للتصدي للأوبئة، خصوصاً الفيروسيّة منها. وفي العام 2016، انتشر فيروس «زيكا» في أميركا اللاتينية محدثاً هلعاً عالمياً، لم ينحسر بسهولة. وفي وقت مبكر من العام 2018، تجاوب خبراء الأوبئة في «منظمة الصحة العالمية» مع المطالبة المستمرة بضرورة تنظيم استراتيجية تحوّط، لمواجهة أوبئة مجهولة، ربما تضرب البشر في المستقبل. وصاغوا نموذجاً علمياً مفترضاً عن الصفات التي من المحتمل أن يحملها فيروس [أو ربما أي عنصر ميكروبي آخر]، فيصبح معها مستعصياً، وينشر جائحة عالمية يكون صعباً وقفها. وسمّوا ذلك النموذج الوبائي المفترض «المرض إكس»، إشارة لكونه غير موجود فعلياً، لكنه صيغة احتمالية تفيد في وضع خطط لمواجهة الأوبئة المنفلتة.

ومرّة اخرى، يبدو أن هناك مسافة ما بين الوقائع والنظريات العلميّة. وعلى رغم تحذيرات غيتس قبل ثلاث سنوات، والصيغة المنمذجة لـ»المرض إكس»، لا زالت «منظمة الصحة العالمية» تتخبط في مواجهة عودة فيروس «إيبولا» إلى الانتشار في الكونغو. وتذكيراً، سبق للمنظمة الأممية أن أعلنت القضاء على «إيبولا» في غرب أفريقيا في أواخر 2015، لكن التفاؤل سقط سريعاً في مطالع 2016، مع ظهور إصابات في سيراليون، ما أعاد المخاوف من عدم وجود ما يكفي من القدرات العلمية والتقنية لمواجهة الأوبئة.

«الموجة المقبلة»!

وكأن الوباء لا يكفي، فجاءت الأسلحة والسياسة لتكمل أزمة مستعصية. في 21 تشرين الثاني 2018، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن جهود التصدي لمرض الإيبولا مستمرة، لكنها تواجه وضعاً صعباً بسبب الصراعات السياسية المسلحة في ذلك البلد، مع الإشارة إلى حدوث 13 إصابة جديدة مؤكدة بفيروس «إيبولا» في ذلك اليوم تحديداً، ما شكّل العدد الأكبر من المصابين في يوم واحد، منذ معاودة انتشار «إيبولا» في الكونغو مطلع صيف 2018.

ما الذي قاله غيتس حقاً؟

استناداً إلى تجربة «صندوق ميلندا وبيل غيتس» في مكافحة موجة «إيبولا» في 2015، نشر بيل غيتس رسالة إعلاميّة عممها على نطاق واسع، تضمّنت تنبيهاً عالي النبرة عن عدم وجود جاهزية دولية فعليّاً للتصدي للأوبئة، ما يتناقض مع التقدم العلمي الضخم الذي يحوزه الطب المعاصر.

واستهل غيتس الرسالة التي حملت عنوان «الموجة المقبلة من العدوى»، بالإشارة إلى أن «المأساة الهائلة التي تعيشها غينيا وسيراليون وليبيريا، لأن ما ضربه وباء «إيبولا» تجاوز الخسائر البشرية، ووصل إلى تحطيم نظم الصحة والاقتصاد في تلك البلدان. ونجحت صدمة الوباء في التنبيه إلى الكارثة التي سوف تحملها موجة عالميّة من العدوى، التي ربما تنطلق من أسباب عادية أو بأثر من إرهاب بيولوجي. لنتذكر أن وباء الأنفلونزا قضى على قرابة 30 مليوناً بين عامي 1918 و1920. وأثبتت موجة «إيبولا» أنه ما لم يتأهب العالم بشكل مناسب، فالكارثة التي تسببها عدوى ما في المستقبل، ستكون فادحة تماماً».

وأضاف غيتس: «من المفيد المقارنة بين استعداداتنا لمواجهة الأوبئة، وما نفعله استعداداً للحروب. إذ يملك حلف «ناتو» فرقاً كبيرة مجهزة للتدخّل في حال اندلاع طوارئ، وتتدرب على تفاصيل عملياتها في مواجهة الكوارث، كإمدادات الطعام والمياه والوقود ونظم الاتصالات وأجهزتها التي ستسخدم حينها... في الولايات المتحدة، كانت مناورة «الشتاء القاتم» في العام 2001، هي المرة الأخيرة التي جرى فيها التدرّب على مواجهة وباء عالمي. ولم تلتزم سوى دول قليلة بـ»قوانين الصحة العالميّة» التي وضعت لمواجهة وباء «سارس»، فيما تعجز معظم الدول عن إنشاء «مركز لعمليات الطوارئ» خلال ساعتين من اندلاع وباء عالمي، وهو من شروط «الأجندة العالميّة للأمن الصحي» التي أقرّت في العام 2014»!

وفي سياق شرحه لتصوّره عن نظام ملائم لاحتواء الأوبئة المقبلة، قال: «يقدر «البنك الدولي» أن موجة واسعة من وباء انفلونزا بإمكانها أن يخفض ثروة العالم بقرابة 3 تريليون دولار، ويرتفع الرقم إلى 7 تريليون دولار إذا انفلتت من السيطرة، إضافة إلى ملايين الأرواح. ولكي مستعد لمواجهة تفشٍ وبائي، اقترح مجموعة من الإجراءات الأساسيّة، يتصدّرها تدعيم نظام الصحة العامة ونُظُم الرعاية الصحيّة الأوليّة، مع تجهيز بنى تحتيّة ملائمة وفعّالة. يجب الارتقاء بنظم مراقبة الأمراض التي تغيب عن معظم الدول الفقيرة، على الرغم من أنها هي المرشحة لتكون نقطة انطلاق أي وباء مقبل. وفي الربيع الماضي، رصدت منظمة «أطباء بلا حدود» إصابات بـ»إيبولا» في غينيا، لكن لم تكن هناك أموال مجهزّة سلفاً، لتقصي إمكان اندلاع وباء».

إنذار وتحذير

لا وجود لـ»المرض- إكس» ولكن...

لنبدأ بكلمات واضحة: لا وجود إطلاقاً لـ «المرض إكس»، وتلك حقيقة وليس مجرد تطمين بصدد ما تناقلت وسائل الإعلام عن قدرة «المرض إكس» على إحداث كوارث تفوق ما سبقه من أوبئة!

توضيحاً، «المرض إكس» هو افتراض علمي صاغه خبراء «منظمة الصحة العالمية» في آذار 2018، أثناء اجتماع مختص (عقد للمرة الثالثة) في مقرّها في جنيف لدرس الوضع الوبائي عالمياً. وبعد نقاشات معمقة، اتفق الخبراء على وضع لائحة للأوبئة الأكثر تهديداً للبشر. وللمرَّة الأولى، وضع العلماء منهجاً للتفكير عن وباء لا وجود فعلياً له، بقصد الإنذار والتحذير من المجهول. ويعني ذلك احتمال أن ينفلت من عنصر وبائي من مختبر ما يشتغل على الفيروسات وتراكيبها (بالأحرى، يعيد تركيبها اصطناعياً لتكون أشد انتشاراً وأكثر ضرراً)، سواء بفعل دولة مارقة تريد ابتزاز العالم بسلاح فيروسي، أو بتسرّبه إلى تنظيمات إرهابيّة.

ولاحظ الخبراء أيضاً أن الاضطراب المناخي يضرب الأوضاع الطبيعيّة المستقرة منذ حقب مديدة، ما يهدّد باحتمال أن يخرج من عالم الحيوان فيروس يكون أشد فتكاً مما انطلق منها سابقاً، على غرار فيروس «إيبولا».

ويُقصد من ذلك التحدي العلمي الإشارة إلى مسألة صارت بارزة بشدة تتمثل في ضعف نظم التصدي للأوبئة العامة في معظم دول الأرض، ما يعني أن النظم الصحية فيها لن تستطيع التصدي للوباء المجهول «إكس».

وتصادف أن نشْر تقرير خبراء المنظمة الأممية جاء قريباً من مرور قرن على «الإنفلونزا الإسبانية»، التي انفلتت في الولايات المتحدة في آذار (مارس) 1918، ونقلها جنود أميركيون إلى أوروبا، وانتشرت عالمياً. وفتكت بأرواح ما يتراوح بين 50 مليوناً و100 مليون شخص، قضوا في تلك الجائحة التي تُعتبر الأسوأ عالمياً.

موقع المدن الالكتروني / بيروت