درويش الكاشف

فن العمارة واصالة التراث من أرقى مظاهر مدينة السلط ، فالعمارة فن قبل ان تكون هندسة. حيث تتميز هذه المدينة العريقة بمبانيها التراثية وفنون عمارتها ولون حجارتها الأصفر الترابي .

وتناثرت تلك المباني على تلالها وسطوحها في تناغم رائع وإنسجاب جذَاب ما أهلها لتكون على قائمة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو . وتمثل هذه المباني أيضا فترة إزدهار المدينة الاقتصادي والمعماري في القرن التاسع عشر وأوائل القرن الماضي . ومن تلك المباني :

وصف البناء : شيَد هذا المسجد في العصور الإسلامية الأولى على الطراز المعماري الذي كان متبعا في بناء المساجد في تلك الحقبة من الزمان ، من حيث وجود الصحن والمئذنة بأدراجها اللولبية وبركة المياه الحجرية لغايات الوضوء التي تحيطها المقاعد الحجرية أيضا . والأرضيات من الحجارة الصلبة وكانت تفرش بالحصر ويضاء المسجد بالقناديل أو الشموع لحين وصول التيار الكهربائي للمدينة في أوائل القرن الماضي . ولقد تم اختيار الموقع في مركز التجمع السكاني أو قريبا منه وتوافر الماء للوضوء ومن الأمور الأخرى التي يحتاجها المصلون . ويتألف المسجد الكبير من وحدتين معماريتين وهما الساحة والمصلى . ويقع المدخل الرئيس للمسجد في الجهة الجنوبية للساحة . وثمة لوحة حجرية في أعلى قوس هذا المدخل كتب عليها الاية الكريمة « إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين « . ومن العبارة التالية « جدد بناء هذا المسجد الشريف عام 1340هجرية «.

وتقع المئذنة في الزاوية الجنوبية الشرقية وتشرف على درج الحدادين . أما عين الماء فتقع تحت الرواق الشرقي عند الجبل مباشرة ويسيل منها الماء الى البركة بصورة دائمة .

وكان يوجد نفق ( سرداب ) يصل القلعة بنبع الماء . وأما جدران المسجد فكانت من الحجارة والطين والكلس وتميزت بالسماكة وتقوم عليها الاسقف المتقاطعة ما أعطى المبنى ميزة البرودة صيفا والدافئة شتاءا.

وكان الرحالة الأجانب قد زاروا المسجد وكتبوا عنه ومنهم الرحالة ستزن الذي زار السلط سنة 1806م والرحالة بيركهارت والذي زار المنطقة سنة 1812م وقال عن المسجد « وفي البلدة مسجد قديم يعتبر الأثر الوحيد في المدينة ما يدل على قدم بناء هذا المسجد وكان يطلق عليه جامع السلط أو جامع السلط القديم « .

هدم المسجد : وكان المسجد القديم قد طالته معاول الهدم في سنة 1971 – 1972 في الوقت الذي هدمت فيه السرايا والوكالة وبعض المباني الأخرى في ساحة العين بناء على امر دفاع رقم ( 17 ) صدر عن رئاسة الوزراء لسنة 1965م . وكانت وزارة الأوقاف قد استملكت بعض قطع الأراضي المجاورة وضمتها إلى أرض المسجد بعد الهدم لغايات التوسعة.

الأئمة والخطباء

ومن الأئمة الذين تتابعوا على إمامة هذا المسجد منذ العهد العثماني ، وهو تشريف لهم ، نذكر منهم :

الشيخ مصطفى يوسف زيد الكيلاني ( 1850 – 1892م ) : منح الشهادة العالمية من الجامع الأزهر الشريف سنة 1277هجرية وعين بعدها مفتيا في السلط وإماما وواعظا وخطيبا للمسجد .

الشيخ فهيم مصطفى زيد الكيلاني ( 1860 – 1941م ) : تولى إمامة المسجد بحياة والده سنة 1881م . والجدير ذكره أن الشيخ فهيم قد حصل على براءة بالإمامة من السلطنة العثمانية لإمامة الجامع الكبير له ولذريته من بعده موقعة من السلطان العثماني.

الشيخ حسن المغربي : تولى الإمامة بعد الشيخ فهيم سنة 1890م .

الشيخ عبد الحليم مصطفى يوسف زيد الكيلاني ( 1884 – 1968م ) : عين معلما في مدرسة السلط الثانوية لمدة ( 25 ) سنة 1947م وبعدها عين مفتيا لمدينة السلط بالإضافة الى الإمامة والخطابة في المسجد حتى وفاته . وكان له كتَاب أيضا .

الشيخ عبد الله فهيم مصطفى زيد الكيلاني ( 1908 – 1978م ) : درس في الجامع الأزهر الشريف وعمل معلما وقاضيا شرعيا . احيل على التقاعد سنة 1960م وخلف عمه الشيخ عبد الحليم في خطابة المسجد .

الشيخ « محمد أمين « فهيم مصطفى زيد الكيلاني ( 1926 – 2016م ) : عين معلما في مدرسة السلط الثانوية سنة 1947م ومفتيا في السلط خلال 1970 – 2009م وتقلد مناصب اخرى وخطيبا في مسجد السلط الصغير والكبير . توفي في 7/4/2016م بعد حياة حافلة بالعطاء .

الشيخ محمد القنَاوي : الامام الحالي للمسجد ويعمل فيه منذ عدة سنوات .

المؤذنون للمسجد

عرف من مؤذني المسجد القدامى الحاج عبد القادر الشريف السختيان وسليم التكروري والحاج محمود نوار وولده صبحي وأسعد الذهبي وغيرهم . كما كان يرفع الأذان بصوت المؤذن الطبيعي ، وذلك بالصعود إلى أعلى درجات المئذنة ولحين استخدام مكبرات الصوت .

وكان للمسجد خادم يقوم بأعمال النظافة واضاءة المسجد بالقناديل أوالشموع . كما كان يلحق بمبنى المسجد غرفتان لإيواء ومبيت من تتقطع بهم السبل .

ومن المقرئين للقرآن الكريم في المسجد الشيخ محمد الزعبي ( الضرير ) والحاج عبدالله الطعيمة الحياري والحاج مصطفى الحمدان الخليفات والحاج أحمد السليم الحياري والشيخ عاطي باكير وغيرهم وهو تشريف لهم . ومن وعاظ المسجد محمد خالص أفندي بن أحمد بن عبدالله .

أهمية المسجد الكبير

يعد هذا المسجد من أقدم وأهم المعالم الدينية والتاريخية في مدينة السلط وهو من الاملاك الوقفية وكان ينفق عليه من واردات الاوقاف والتبرعات . وتقام فيه الصلوات الخمس وصلاة العيدين . فضلا عن حلقات الدروس والمحاضرات الدينية. وكانت تقام فبه أيضا الاحتفالات الاسلامية بخاصة ذكرى المولد النبوي الشريف ومناسبة الإسراء والمعراج والمناسبات الوطنية ، حيث لم يكن في المدينة قاعات لهذا الغرض .

من التقاليد الرسمية في المدينة ، فقد كان الحاكم الإداري يتقدم المصلين في العيدين وكانت تصطف ثلة من الجند على مدخل المسجد لدى خروج المصلين لاداء التحية للحاكم الاداري . وبعدها كان يتوجه والحضور الى دار الحكومة ( السرايا ) لتبادل التهاني بالعيد وأخذ الصور التذكارية في مدخل السرايا . وبعد هدم السرايا أصبح الاحتفال يقام في مبنى البلدية .

ومن العادات التي كانت متبعة في المدينة أيضا أن من يحتفل بزواجه ، كان يؤدي صلاة العشاء في المسجد يوم الزفاف ، وبعد اداء الصلاة كان يقام للعريس زفة في شوارع المدينة .

مراحل إعمار مسجد السلط الكبير

عصر المماليك : قام السلطان الظاهر بيبرس أثناء ولايته ( 1260 – 1277م ) بأعمال الصيانة والتوسعة للمسجد . وفي الوقت الذي قام فيه باعادة بناء قلعة السلط بعد أن دمرها التتار في عام 1261م .

العهد العثماني : قام مفتي السلط وإمام هذا المسجد الشيخ مصطفى يوسف زيد الكيلاني ( 1850 – 1892م ) باعادة تعمير وتوسعة المسجد .

الإعمار الهاشمي لبناء وصيانة المساجد :

المسجد القديم : جدد بناء المسجد القديم عام 1340هجرية في عهد سمو الأمير عبدالله بن الحسين – رحمه الله - .وكان هذا المسجد قد شهد إضافة مبان تجارية ( دكاكين ) ملحقة في مبنى المسجد تعلوها أبنية شغلتها المحكمة الشرعية . وثمة محال ( دكاكين ) لصيدلية ومحال تجارية أخرى كانت تمتلكها الأوقاف الإسلامية في مبنى الوكالة بالجهة المقابلة للمسجد ، وشكلت تلك الدكاكين بمجموعها سوقا تجاريا عرف ب ( سوق مسجد السلط الكبير )

المسجد الجديد : بوشر باعادة بناء هذا المسجد في عام 1974م وإستغرق العمل عدة سنوات . وأصبح المدخل الرئيس للمسجد يشرف مباشرة على درج الحدادين مقابل الكنيسة الإنجليكية والصعود للمصلى بدرجات . كما جرى تغيير موقع المئذنة القديمة ، بحيث أصبح في طرف الواجهة الأمامية المطلة على ساحة العين . كما أضيفت محال تجارية لهذا المبنى يعلوها طابق المصلى في الواجهة الأمامية . ولقد تم افتتاح هذا المبنى في عام 1979م في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال - رحمه الله - .

الترميم والصيانة : وفي سنة 2007م جرى ترميم وصيانة للمسجد واستغرق العمل فيه عدة سنوات ايضا واستمر حتى سنة 2014م . حيث أقيم طابق آخر فوق الطابق الأول ، واصبح المصلى يتألف من طابقين تعلوهما قبة خضراء . أما الحجارة المستخدمة ، فكانت من الحجارة الصفراء المشذَبة واضيء المسجد بالثريات والقناديل وفرشت الأرضيات بالسجاد . وكان قد أستعيض عن البركة القديمة بالمرافق والأدوات الصحية الحديثة . وأصبح المدخل الرئيس يتوسط المحال التجارية المقامة في الواجهة الأمامية. ويمكن الوصول إلى طابقي المصلى بعدة درجات .

كما يوجد باب داخلي في الطابق الأول يؤدي إلى الطابق الثاني . وثمة مدخل آخر للمسجد يقع في زاوية الجهة الجنوبية الشمالية يؤدي إلى الطابقين بدرجات .

وجرى افتتاح هذا المبنى في عام 2015م في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين - حفظه الله - .