عملية «دِرع الشمال»المُدوِية «إعلامِياً ونفسِياً».التي خرَج بها على المنطقة والعالم،رئيس حكومة العدو الصهيوني نتانياهو فجر الثلاثاء،ليست سوى فقاعة،ما لبثت ان انفجرت في وَجهِه وانكشفت كأُحبولة أُخرى من أحابيل سياسي استمرأ لعبة الهروب الى الامام،كلّما واجَهَته مُشكلة او غدا مستقبله السياسي والشخصي في خطر،خصوصاً هذه المرّة التي بدَت فيها احتمالات سقوطه أكبر من اي وقت مضى،وتحديداً بعد توصية الشرطة بمحاكمَته بتهمة الرشوة (وزوجته)،الامر الذي راكم من عدد التوصيات التي نتجت عن التحقيقات بملفات»الفساد»الاربعة...لمُتّهم بها نتانياهو,حيث «وَعَدَ» المستشار القضائي لحكومة العدو افيحاي مَندلبليت..البَتّ فيها بسرعة (إثرَ اتهامه من قِبل الصحافة واحزاب المعارضة,بمحاولة شراء الوقت لنتانياهو وتمكينه البحثَ عن مخارج من مآزِقِه)،ما زاد من رُعب نتانياهو وأجبره البحث عن»قنابِل»دُخانِية إعلامية وخصوصا أمنِيّة,يُدرك بتجربته العميقة في المراوَغة،أنها كفيلة بإبعاد نظر الجمهور الصهيوني عن فساده واحتمالات انهيار حكومته،التي باتت تعتمد فقط على أغلبية صوت واحد في الكنيست (61عضوا من اصل 120)،فجاء اختراع»عملِية»درع الشمال وأُكذوبة البحث عن أنفاق حزب الله (الهجومية) وتدميرها،مصحوبة بالطبع بتحذيرات صهيونية مُتغطرِسة للبنان.يُدرِك مُطلقوها في حكومة وجيش الاحتلال،انها غير قابِلَة للتحقّق،في ظِل هزائمِهم الموصوفة،التي ما تزال أصداؤها تُدوّي في عُمق المَشهدَيْن العسكري والسياسي،وبخاصة في تكريس توازُن الرُعب وانهيار نظرية الردع الصهيونية،التي فرضتهما وقائِع عدوان تموز 2006 عندما توّهم العدو ان حربَه ستكون مجرد نزهة،فاذا بنتائِجها اكثر كارِثية وأكلافاً من حرب اكتوبر73 (مُقارَنة بالحشود العسكرية والدعم السياسي والدبلوماسي،والمدّة التي استغرقتها الحرب وتداعياتها الإستراتيجية والمعنوية).

ما علينا..

اربع وعشرون ساعة فقط، تلَت الاعلان عن»عملية»درع الشمال، كانت كفيلة بانهيار رواية نتانياهو،الذي ظن ان حركاته وتَحرّكاته المسرحية وزيارته الدراماتيكية لبروكسل من اجل الاجتماع برئيس الدبلوماسية الاميركية بومبيو،ومسارَعة الاخير واركان الادارة الاميركية للاعلان عن دعمهم لاسرائيل،»وحقِّها» في الدفاع عن «سيادتها»،ستصب في النهاية لصالِحه باعتباره»مِستِر أَمن»اسرائيل،فاذا بها تثير من ردود الافعال الاسرائيلية المُشكِّكة أكثر مما تحصد من تأييد،وبخاصة بعد ان تأكّدوا في دولة العدو ان نتانياهو يحاول تصوير وضع دراماتيكي غير موجود اصلا على الحدود مع لبنان.سواء في اتّضاح ان ما يجري في شمال الكيان لا يعدو كونه نشاطا يقوم به سلاح الهندسة (جرّافات وحفّارات) فضلا عن»التأكيد»الذي يواصِله الناطق باسم جيش الاحتلال والمُوجّه خصوصا نحو لبنان،بان ما تقوم به اسرائيل للبحث عن»أنفاق حزب الله»هو»فقط»داخل»حدودها»ولن يطال الاراضي اللبنانية،بمعنى انه ترجَمة لشعار»أَمْسِكوني»..ليس إلاّ.

واذا ما اضفنا الى ذلك»الإنجاز»اليتيم،الذي زعم العدو انه قد أحرزَه (بافتراضِ صِحّته)،المُتمثّل في اكتشاف»نفق واحد»غير جاهز للإستخدام يتجاوز حدود الكيان لمسافة»40»متراً فقط،فاننا نكون امام»نكتة»سمجة من عدو يُواجه مأزقاً على اكثر من صعيد،لم يُسفِر تهويله وضجيجه والعمليات العسكرية الاستعراضية التي يقوم بها وبخاصة في الجبهة السورية،سوى عن تعميق فشله وانعدام ردعِهِ المزعوم وفشلِه في انتزاع مكاسِب سياسية،يمكن صرفها في الصفقات السرّية التي يعقدها خلف الأبواب المُغلَقة.

هي إذاً ليست عملية عسكرية بأي معنى،حتى لو استطالت لأسابيع، ولهذا يجد مصطلح»عملية»اعتراضا حتى من اعضاء الكابينت(المجلس الوزارِي المُصغّر)،ولا يتردّد بعضهم في التصريح:بأن»نتانياهو كالعادة يمنعنا من التحدّث لوسائل الاعلام،ويُريد ان يَنسِب المجد كله لنفسه..وهذا مُهين»،فيما جاء رد فعل المعارَضة اكثر تشكيكاً،وهو ما عبّر عنه رئيس كتلة المعسكر الصهيوني (حزب العمل +حزب الحركة) يوئيل حسّون بالقول:إنّ المعارَضة تُطالِب بأجوبة:هل هذه عملية درع (شَمالِي)؟أم عملية درع (حِمايَة) نتانياهو؟في إشارة الى توصِية الشرطة بتقديم نتانياهو للمحاكَمة،بعد تحقيقاتها الموسّعة والطويلة في ملفّات الفساد الأربعة..المعروفة.

المثير في كل الضجيج الذي افتعله نتانياهو،وأسهَم حلفاؤه في واشنطن الذي يقدمون له الدعم بلا تحفظ او تدقيق...في ارتفاع مَنسوبِه،هو رد الفعل اللبناني،في جانِبه الرسمي،الذي كان هادئاً وحازماً في الوقت نفسه،بأنّ عدوانا اسرائيليا سيُواجَه بلا تردّد،فيما التزَم الطرف المعني مباشرة بما وُصِفَ عملية درع الشمال(حزب الله) بالصمت،الذي يُمكِن وَصفه بـ»الغموض البنّاء»،وهناك في لبنان مَن دعا العدو لاستخلاص الدروس والعِبر من عدوان اجتياح بيروت 1982الذي قارفه ثُنائي الإرهاب بيغن وشارون،الذي حمل اسم»حملَة سلام الجليل»،وكيف انتهت الحملة الى هزيمة مُذلّة وموصوفة للجيش الذي أصابَه الوَهنَ،ولم يعُد يجرؤ احد من قادته الزعم بأنه لا يُقهَر.وهنا يكمُن مأزَق إسرائيل وأزمَتها الوجودِيّة المُقيمَة.

kharroub@jpf.com.jo