كثير من أوقاتنا تضيع هدراً خلال ساعات الانتظار الطويل أو في أثناء السفر وقطع المسافات الطويلة أو خلال الاستراحات المرضيّة التي تلزمنا الفراش أو في أثناء القيام بأعمال اعتيادية لا تحتاج إلى أن نفرّغ لها كلّ مداركنا. وهذه الأوقات التي تضيع هي في الحقيقة شطر كبير من أعمارنا، ونحن أولى بالاستفادة منها واستثمارها في خدمة مصالحنا الخاصّة أو العامّة، تماماً كالمهندس الذي يستطيع أن يستغلّ كلّ مساحة من مساحة الأرض المتاحة له في البناء فلا يترك منها شيئاً ضائعاً، وكالمزارع الذي يستطيع أن يستخدم كلّ ما تنتجه شجرة الزيتون مثلاً، فالزيت للأكل والطعام، والخشب ونوى الزيتون للتدفئة، وورق الزيتون غذاءٌ للماشية، والشجرة نفسها ظلٌّ لصاحبها في الصيف، وهكذا.

وقد تفنن أبناء الأمم الأخرى في استثمار الوقت الضائع أكثر منّا نحن العرب بكثير، ففي أثناء ذهابهم إلى العمل صباحاً وعودتهم منه مساءً في القطار أو الحافلة فإننا نجدهم في أغلب الأحيان يقرأون الكتب والروايات فيستفيدون علماً وثقافة ومعرفة. وفي الطائرة نجدهم إمّا يقرأون أو يكتبون فلا يضيع شيء من أوقاتهم سدىً.

وممّا نستطيع نحن أن نفعله في أثناء قيادة السيّارة إلى العمل أو في أثناء العودة من العمل أن نختار من مواقع التواصل الاجتماعي قبل ركوب السيّارة برنامجاً أو موضوعاً أو درساً فنستمع إليه ونكتسب منه علماً وثقافة من غير أن نبذل أي جهد يذكر. وهذا شكل من أشكال التعلّم المفتوح وهو ما تعتمد عليه بعض الجامعات المفتوحة وتمنح بموجبه شهادات لخرّيجيها.

وكذلك يستطيع العامل والصانع والفلاح وهو يقوم بعمله أن يستفيد من حاسّة السمع لديه ما دامت غير مشغولة بعمل آخر، فيستطيع أن يفتح هاتفه المحمول على موضوع في مجال الصناعة أو الزراعة أو حتّى في اللّغة و الأدب ممّا يمكن أن يستفيد منه في حياته وعمله أو يحقق من خلاله بعض طموحاته.

وكذلك يقال عن السجناء والموقوفين فإنهم يستطيعون استثمار أوقاتهم الطويلة المرشحة للضياع إلى عملٍ مُجْدٍ وعلمٍ نافع واكتساب معرفة جديدة.

إنّ التفنن في الاستفادة من الوقت الضائع والحواسّ غير المستخدمة واستثمارها في مصلحة الشخص ومصلحة غيره، هي فنٌّ تتقنه الأمم المتقدّمة والشعوب المتحضّرة التي تدرك قيمة الوقت وتعرف كلّ المداخل لتوظيفه وعدم السماح بهدره وإضاعته ما دامت الأعمار محدودة وأيّامها ولحظاتها معدودة.

salahjarrar@hotmail.com