عمان – ناجح حسن

حظي الفيلم الأميركي المعنون «الكتاب الأخضر» لمخرجه بيتر فاريللي، الذي استهلت به فعاليات الدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بالكثير من إعجاب الحضور، وثناء النقاد، لأسلوبية معالجته الجمالية والدرامية النابهة، الآتية من سينما أميركية مستقلة، تطل على على اشواق ومصائر شريحة انسانية داخل حقبة زمنية قريبة.

تتكيء أحداث الفيلم إلى وقائع حقيقية تعود الى عقد الستينيات من القرن الفائت، عانى فيه السود ممارسات عنصرية، برع المخرج في تصوير اشكال الظلم الإجتماعي والسياسي على تلك الشريحة، من خلال تجسيده لشخصيتين رئيسيتين هما سائق أبيض أرعن السلوك، وعازف بيانو أسود موهوب.

ينسج الفيلم موضوعه بابعاد درامية تتصاعد فيها الأحداث على دفتي الدعابة السوداء والرومانسية، تعاين فيه عدسة مخرجه بذائقة رفيعة، تبدل العلاقات والرؤى تجاه مشكلات تعصف بالصراع الناشب بين البيض والسود، قبل ان يلامس كل منهما مرحلة الوعي، كل ذلك يسري خلال رحلة سفر تجمع العازف والسائق الأبيض.

تتواتر التحولات والقناعات في المواقف بأكثر من إتجاه يتسم بالسلاسة والصدق والحرارة البسيطة في الطرح المثير على الشاشة، لتمنح المتلقي سينما تنأى عن المألوف في الأنماط الهوليودية السائدة، نجح المخرج في ضبط إيقاعه في مناخ من الأجواء العنصرية سواء من سلوك السائق او في تعامل الشرطة الفظ مع السائق والعازف فهما يتعرضان للإعتقال والإهانة، ويتعدى هذا السلوك إلى مواقف مختلفة، تسلّط الضوء على بشاعة الممارسات العنصرية داخل المطاعم أو دورات المياه وأماكن اللهو والترفيه.

وبقدر الإهتمام الواسع الذي ناله فيلم «الكتاب الأخضر»، جاء حضور كثيف لمتابعة فيلم «روما» للمخرج المكسيكي الأصل ألفونسو كوران، الذي حاكى بقوة السينما، أطيافا من هموم وقضايا أفراد أسرة عبر محطات من ذاكرة متقدة تنبش في سيرة المخرج الذاتية.

بمقدار وفير من الحيوية المشهدية المفعمة بدرجات من الوضوح, يصل «روما» برسالة بليغة مزنرة بإحترافية عميقة الرؤية في تأمل حراك الأسرة داخل تفاصيل طبيعية قوامها هجرة رب الأسرة والمرض الذي اقعد الأم، وهناك حجر الزاوية في الفيلم شخصية الخادمة المتفانية في السهر على حال أفراد الأسرة–الأطفال تحديدا–وتنشئتهم رغم كل العقبات والتحديات التي أخذت تلقي بظلالها على الجميع.

وظّف المخرج اللونين الأسود والأبيض كمفردات درامية في التعبير عن خطاب الفيلم الجمالي المدعم بعناصر من الجودة والإبهار، الآتي من ملامح موروث ثقافة المخرج وتكوينه السينمائي البديع, الذي يبدو بالبسيط السهل، غير أن الحقيقة هي أن بساطته مركبة على نحو يثري ذائقة المشاهد والمتذوق معا، بأنه أمام فيلم بليغ الإشارات والدلالات، تتجانس فيه وقائع اجتماعية إبان حقبة زمنية داخل بيئة مكانية بسيطة مع عناصر من الأداء الرفيع لا يسقط في فخاخ الميلودراما أو مبالغات، فضلا عن تلك التكوينات البصرية والسمعية والإضاءة ليصل في النتيجة إلى جوارح المشاهد بسلاسة ورقة وعذوبة.

وعلى نسق الإستخدام اللافت للونين الأبيض الأسود في «روما»، حضر الفيلم البوسني المسمى «أنا أمثل، أنا موجود» لمخرجه ميروسلاف مانديتش، كي ينأى عن الواقع، ليغوص في السينما من داخل السينما، من خلال إنصهار عدد من الممثلين بأدوارهم المتخيلة على الشاشة، مع الواقع الحقيقي، لدرجة أن يفقد الممثل إحساسه بنفسه ويتحوّل بالكامل إلى الشخصية التي يجسّدها.

تتلخص حكاية الفيلم حول عدد من الممثلين يجسدون شخصيات متباينة من داخل الواقع، يتماهوا تماما مع الشخصيات التي يجسدونها، الأمر الذي يدفعهم إلى تبني نمط حياة هذه الشخصيات. لذا نجد ممثلة شابة متورّطة في جرائم سرقة أثناء تدربها على دور شخصية فتاة سارقة، وهناك ممثل يبدأ في الطواف على الأرصفة محاولا تكوين صداقات مع مشرّدين ومهمشين بعد أن سيطر عليه دور المتشرد الذي يلعبه، وشخصية ممثل آخر بات مقتنعا تماما بأنه واقع في حب زميلته الممثلة بعد أن أدى امامها دور الحبيب.

وأكثر ما يلفت في هذا الفيلم هو أبعاده الجمالية العميقة، التي قدّمها مخرج يمتلك أسلوبا يميل إلى إضفاء مسحة من الغموض على الفيلم دون افتعال، كأنه معالجة نفسية للأداء التمثيلي بما يصاحبها من جهد ذهني وبدني يمكن أن يتحول إلى نوع من الهوس يُفقد الممثل إحساسه بذاته، في لجّة من المتغيّرات، ثم يجد نفسه أمام الاختيار الوجودي، يرفض أن يهوي ويصر على قناعاته الفنية ليتمرّد على الواقع حتى لو كان ثمن تمرده مكلفا.

ودارت أحداث الفيلم البريطاني «الغراب الأبيض» لمخرجه الممثل الذائع الصيت ريف فاينز، على سيرة حياة راقص باليه روسي، يرسم بأسلوبية مشهدية واسعة ورقيقة تتنقل بين الماضي والحاضر، وتضفي مسحة من الغموض على الفيلم الذي يدور حول طفولة الراقص، قبل ان يفجر موهبته اللافتة التي يجري توظيفها لتصبح ضمن مناخات عقد الخمسينات من القرن الماضي في الاتحاد السوفييتي السابق.

وعالج فيلم “البرج» للمخرج النرويجي ماتس جرورد، موضوعه عن المشكلة الفلسطينية في قالب من الرسوم المتحركة وذلك من خلال تقديم قصص متباينة عن حكايات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان تؤكد على حق العودة.