من المفترض أن السياحة في الأردن هي من أهم القــطاعات الاقتصادية، ومن أهم روافد دعــم الموازنة، فلقد حبا الله الأردن بمجموعة مقومات سياحية فريدة، وقد تناول العديد من الغيارى الحديث عن هذا القطاع ولن نسهب في تعداد وذكر مناطق الجذب السياحي إلا فيما تقتضي الضرورة لتسليط الضوء على أهمية هذه المناطق وأولها عجائب الدنيا السبع (البتراء) والبحر الميت الذي لا مثيل لتفرده في مجال السياحة العلاجية ودفء منطقته في فصل الشتاء، وشواطئ العقبة التي تمطر رمالها ذهباً على رأي الدعاية الذهبية، وسحر وادي رم الجاذب لممارسة هواية التسلق والقفز المظلي، وبالإضافة إلى ما ذكر لدينا مدينة جرش بأعمدتها الرومانية الشامخة، وعجلون والكرك بقلاعها التاريخية، وأم قيس، ومدن رومانية تعج بأثارها ومدرجاتها، ولدينا موقع المغطس، مقام جعفر الطيار، ولدينا ينابيع المياه المعدنية، بالإضافة إلى السياحة العلاجية، نظراً للتقدم الطبي العلمي وجودته في الأردن.

مثل هذه الثروات الأثرية والطبيعية والعلاجية، ووجود البنية التحتية فوق المتوسط، والطقس المعتدل، تجعل من الأردن قبلة سياحية يجب أن تتربع على عرش قوة الجذب السياحي في المنطقة، ومع كل ذلك لا نشعر ولا نلمس أن السياحة توفر دخلاً معقولاً ينعكس على حياة الناس حتى من سكان المناطق الأثرية السياحية المشار إليها، لماذا لا يأتي أغلب سياح البتراء إلا بعد الحج لاسرائيل، لماذا لا ينتقل السيّاح من شارع الأعمدة والمدرج الروماني إلى جرش المدينة ويتجولون بها ويشترون الهدايا ويدخلون مطاعمها ويجلسون على الرصيف لشرب القهوة، لماذا لا يوجد منتجعات استشفائية في غابات عجلون الساحرة، حتى ينعم أهل الموقع بجزء من دخل السياحة وأن لا يقتصرعلى أصحاب الفنادق الضخمة، هل من المعقول أن تكون نسبة الفقر في منطقة البحر الميت - أضخم منتجع طبيعي سياحي واستشفائي - هي الأعلى نسبة في الأردن.

يورد المحللون الاقتصاديون والسياسيّون في محاضراتهم ودراساتهم أن بلدنا فقير بموارده فلا هو بالبلد الزراعي لندرة المياه ومحدودية المساحة القابلة للزراعة والتي يقدّرونها بـ 7 % من أراضي المملكة، ولا هو بالبلد الصناعي لندرة موارد الطاقة والاعتماد على الطاقة المستوردة بنسبة 98 % فإذا كانت هذه الخيارات غير سالكة بسهولة، فلماذا لا تجعل الحكومة وزارة السياحة وزارة سياديّة وتوليها الاهتمام اللازم وأن لا تكون مجرد ديكور لقضاء العمل الروتيني فيما يتعلق بشؤون السياحة الاعتيادية وحتى هذه فيطالها التقصير والإهمال وعدم توفير المستلزمات الضرورية لإقامة ممتعة ومريحة ولا يتم توفير رقابة فاعلة لحماية السائح من الاستغلال. وكلنا يعرف شكوى السائحة التي أبرقت للوزارة لتوفير حمّامٍ نظيف في استراحة حكوميّة، و كذلك قصة السائحة الايطالية التي اشتكت للوزارة لكثرة (الهبش) الذي تعرضت له أينما توقفت، وكذلك الأمر حصل عندما تمّ دفع 60 ديناراً ثمناً للبطيخة الزهرية التي تناولها ثلاثة سيّاح، ودفع مبلغ 12 ديناراً لسائق سيارة أجرة قام بنقل سائح من الصويفية الى عمان البلد.. وهذه أمثلة وليست على سبيل الحصر.

تكثر في بلدنا ظاهرة وضع الخطط وتشكيل اللجان، ويا حبذا لو يتم العمل على وضع خطة استراتيجية لاستقطاب أكبر عدد من السياح و تحديد فئات الدول المستهدفة ووضع خطة تسويقية لجذب السياح وإطالة مدة اقامتهم وتنظيم دورات مستمرة لمقدمي الخدمات والأدلاء السياحيين، وتشجيع البيئة المحلية المجاورة للأماكن المقدسة مثل موقع المغطس ومقام جعفر الطيّار للانخراط بعملية تعزيز السياحة الدينية بدون أي تحفظ..

آن الآوان ونحن على أعتاب توثّب جديد لحكومة جديدة تتعهّد كلّ يوم بتحسين الاقتصاد والتخفيف عن كاهل المواطن -وما زال لها رصيد شعبيّ تتذبذب مؤشراته بين الارتفاع والهبوط- أن تستدير إلى هذا القطاع المتعثّر، وتَعْهَدَ به إلى وزيرين أحدهما داعم للأصيل، على غرار وزارة الثقافة أو البيئة، لما لهما من علاقة وطيدة بقطاع السياحة، و ليس بإيكال هذه المهمة إلى نصف وزير ينوء ظهره بحقيبة واحدة، فكيف إذا حمّلناه حقيبة ثانية تحتوي ملف السياحة الذي لو أدير بحاكميّة رشيدة لشكّل رافداً اقتصاديّاً للمجتمعات المحليّة في الأطراف والتي تعاني الأمرّين وتشكوا من الفقر والبطالة وعدم وصول مكاسب التّنمية التي يتحدّثون عنها في المركز.