تفحصت بعض فقرات تقرير مركز عدالة لدراسات حقوق الانسان حول حالات التعذيب في مراكز التحقيق وأماكن التوقيف في دوائر الامن العام، وضحكت كثيرا عند الوصول إلى عبارة قديمة مستهلكة جدا أعادتني الى عام 2006 عندما أطل علينا المدعو (مانفرد نوفاك) مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الانسان آنذاك الذي أجرى جولة على أماكن التوقيف والتحقيق في دوائر الأمن العام، وقال عبارته المشهورة (التعذيب في الأردن ممنهج وروتيني) في تقريره الأول المتعجل غير المتروي. إلا أنه بعد إكمال جولته عاد واعتذر اعتذارا شديدا ورفع تقريره إلى الأمم المتحدة؛ مفاده أن التعذيب في الأردن حالات فردية ولا ترتقي نهائيا إلى التعذيب الممنهج والروتيني..

هذه العبارة أضحكتني كثيرا عندما قرأتها حيث أصبحت سلعة تُتداول باستمرار عند التفتيش على أماكن التحقيق والتوقيف في دوائر جهاز الامن العام ومستهلكة فقدت بريقها ومفرغة من معانيها ومضمونها، ولم تعد تقنع غالبية المواطنين، لأن الأمن العام دحضها من خلال الاجراءات القانونية والادارية التي تقع على مرتكبيها تصل الى حد التسريح من جهاز الامن العام علما بأن الحالات التي ترتكب من قبل أفراد الأمن العام هي تصرفات وسلوكيات ارتجالية من قبل مرتكبيها، وليست ممنهجة وروتينية كما أشار التقرير.

لا أعرف ماذا يقصد التقرير بأن التعذيب ممنهج، هل شاهد عدد من حالات التعذيب وأطلق عليها جزافا صفة (الممنهجة) كمصطلح يتم تداوله بدون الإلمام به من ناحية علمية أم أن التقرير يقصد مصطلح (الممنهجة) بكل أبعاده وقواعده وأساليبه وفروعه.

افهم معنى الممنهج من الناحية العلمية هو العمل الذي يسير وفق خطة محددة وواضحة، وتحكمه قواعد معينة وأساليبه وطرقه.. وسؤالي هنا إلى من أعد وأشرف على التقرير.. هل عثرتم على خطة مكتوبة في أدراج الأمن العام تبين وتؤكد وتوثق أن التعذيب أسلوب لهم؟ هل عثروا على تعليمات موثقة أو شفهية تحث أفراد الأمن العام على استخدام التعذيب لانتزاع الاعترفات من المشتبه بهم؟

هل أساليب التعذيب وطرقه في الحالات التي تمت مشاهدتها تدل على أساليب وطرق عصرية متقدمة في التعذيب تلجأ اليها الاجهزة الأمنية المحترفة أم أساليب غوغائية فوضوية تدل على جهل من ارتكبها بطرق (الهوشة والمشاجرات والإيذاء المتعمد)؟

هل وجد معد التقرير الأدوات المستخدمة في التعذيب في الأمن العام ومحفوظة في أماكن لحمايتها من التلف وإبقائها بحالة جيدة لاستخدامها أم أنه لا يوجد لا ادوات تعذيب حديثة او حتى تقليدية؟

هل حالات التعذيب التي شاهدها معد التقرير تدل على أثار ادوات تعذيب تستخدم في اجهزة التحقيق العالمية (أن وجدت)؟ أم آثار التعذيب تدل على استخدام ادوات تقليدية يستطيع أي انسان استنباطها من البيئة المحيطة به كالعصا الخشبية أو الحديدية أو الاسلاك النحاسية أو أعقاب السجائر وغيرها؟

هل أساليب التعذيب في الحالات المشاهدة تدل على أنها تنفذ وفق خطة ممنهجة ومعممة على جميع الافراد الذين يعملون في التحقيق وأماكن التوقيف ويتم تنفيذها في هذه الأماكن أم أنها أخطاء قانونية فردية ارتكبها اشخاصها في ساعة غياب الضمير والتعليمات الصادرة لهم من قبل الأمن العام بأهمية احترام انسانية المشتبه به والوصول الى الحقيقة يالطرق التحقيقية المتعارف عليها والتي تدربوا عليها مدعماً ذلك بالأدلة والبراهين القاطعة التي تدين المشتبه به أمام القضاء؟.

هذا هو مفهومي للتعذيب الممنهج ومفهوم الطبقة المثقفة والواعية من المواطنين التي تقرأ وتفهم معاني المصطلحات غير ذلك ومن وجهة نظري وثقافتي المتواضعة اعتبر توظيف مصطلح (تعذيب ممنهج) غير صحيح وليس في مكانه وإنما يستخدم بشكل مستعجل دون التعمق في معناه الذي أشرت له سابقا متمنيا لو تم دعم التقرير بإجابات الأسئلة السابقة التي أثرتها.. إن كان هنالك اجابات دامغة لها فسيكون التقرير أكثر إقناعا ومصداقية لدى القارىء الأردني الذي يمتاز بتشريح المشرح وتفسير المفسر ولا تمر أي معلومة إلا ويشرحها مثنى وثلاث ورباع حتي يقتنع بها.

اتمنى كأي مواطن أردني عند تناول مصطلح (تعذيب ممنهج) أن يتم بيانه بالأساليب العلمية المقنعة وبيان خططه وأهدافه ووسائله وطرائقه حتى أقتنع بممارسة التعذيب الممنهج والروتيني في دوائر الامن العام غير ذلك اعتبر أن وراء الأكمة ما وراءها وتضعف مصداقية من يستعمل ها المصطلح ومع مرور الوقت تتلاشى المصداقية نهائيا.

لا أنكر أن هنالك حالات تعذيب كثيرة تحدث لكنها حالات فردية بحتة خالف مرتكبوها القوانين والتعليمات الصادرة لهم وتجاوزوا السلوكيات واخلاقيات العمل التحقيقي، وشاهدي في ذلك القضايا التي يعلن عنها الأمن العام في توقيق أو سجن أو طرد رجال أمن عام خالفوا التعليمات والقوانين أثناء التحقيق مع المشتبه بهم، وهذا يسجل للأمن العام وشفافيته ووضوحه وشدته في التعامل مع تجاوزات أفراده الفردية ودليل واضح وقاطع على عدم التعذيب الممنهج.

دوائر الأمن العام أفرادها عشرات الآلاف ويتعاملون يوميا مع مئات الأشخاص وفي مراكز الإصلاح والتوقيف الالاف من الاشخاص.. عمل على مدار الساعة.. عملهم أمني بحت يحتاج الى جهد بدني وذهني عالي التركيز.. تعامل مع أصناف بشرية خطيرة جدا على أمن الوطن والمواطن.. قد تقع تجاوزات فردية هنا وهناك ينتج عنها وفاة أو إصابة بليغة ممكن متعمدة أو غير متعمدة بحق مواطن ومع ذلك يتم اتخاذ الاجراءات القانونية والادارية بحق مرتكبيها وشاهدي القضايا المفصولة أو المنظورة في محكمة الشرطة..

لا أبرر التعذيب الفردي الغوغائي؛ لكن أوضح كيف تسير الأمور اليومية في دوائر الأمن العام.. فالخطأ القاتل وارد لكن هنالك عقوبات مشددة بحق مرتكبيه ولو حتى ثبت وقوعه بطريق الخطأ.. فالأمن العام يؤمن بواجبه المتمثل بالمحافظة على أرواح واعراض وممتلكات المواطن وينفذ ذلك بحذافيره نصا وروحا ولا يتهاون مع مرتكب ذلك والشواهد كثيرة.

لابد أن أوضح أن بعض حالات الوفاة تحدث أثناء توقيف متهم أو مجرم في اماكن التوقيف أو التحقيق أو مراكز الاصلاح نتيجة وجود أمراض مزمنة عند نزيل أو الاصابة بسكتة دماغية او جلطة أو غيرها (فالأعمار بيد الله) وليست بيد دوائر الأمن العام..

فالوفاة الطبيعية قد تحدث لأي نزيل أو موقوف ولكن للأسف يتهم الامن العام مباشرة ودون التحقق من ذلك بأن سبب الوفاة التعذيب ويتم نشر ذلك وتداوله بين الناس حتى يثبت الطب الشرعي (المحايد) عكس ذلك وأن الوفاة طبيعية وليست جنائية ناتجة عن مرض مزمن أو جلطة أو غيرها.

تمنيت على معد التقرير أن يتطرق لشهداء جيشنا العربي والأمن العام وقوات الدرك والمخابرات العامة الذين ارتقوا إلى خالقهم وهم يدافعون عن الوطن والمواطن ومنهم معدو التقرير..

تمنيت أن يتطرق لحقوقهم ويدين المجرمين القتلة مطالبا الجهات القضائية بتوقيع أشد العقوبات عليهم وتحصيل حقوق الشهداء الابطال من هولاء القتلة وغيرهم من المغتصبين للاطفال والقتلة وأصحاب السوابق ومهربي المخدرات والإرهابيين بدلا من البحث عن حقوقهم في أروقة دوائر الامن العام التي هي وافية وغير منقوصة ويتمتعون بكافة الحقوق.

أطالب مراكز حقوق الانسان كافة بدلا من مصطلح نوفاك المتهالك (التعذيب الممنهج) ان تنظر إلى الجزء الممتلىء من الكأس وزيارة أي مركز للإصلاح والتأهيل لمشاهدة المجالس المحلية للنزلاء المشكلة من النزلاء أنفسهم عن طريق الانتخاب دون تدخل من إدارة مركز الاصلاح التي تهدف إلى إشراكهم في اتخاذ القرارات الخاصة بالنزلاء على كافة الصعد ورفع الاقتراحات والشكاوى الى ادارة المركز وتشجيع لغة الحوار بين النزلاء أو بين النزلاء وإدارة المركز بحيث يتم ردم أي هوة أو فجوة بين جميع الأطراف ايمانا من مديرية الامن العام بأهمية العملية التشاركية للنزلاء.

كما اطالب هذه المراكز المهتمة بحقوق الانسان بإبراز النواحي الإيجابية لدى دوائر الأمن العام كأن تزور المسارح الثقافية المنتشرة في مراكز الاصلاح والتأهيل والتي يديرها من الألف إلى الياء النزلاء أنفسهم.. هذه المسارح التي اوجدتها مديرية الامن العام ايمانا منها بأهمية الثقافة للنزيل وتأهيله ثقافيا مهما كان مستواه العلمي وليبقى متصلا بالعالم الخارجي غير منقطع عنه من خلال هذه المسارح الثقافية التي تضعه بصورة العالم الخارجي وكأنه موجود فيه.. هذا فيض من غيض لحقوق الانسان لدى دوائر الامن العام التي أجزم انها غير موجودة في كثير من الدول المتقدمة علما بأن التجربة الأردنية للتعامل مع حقوق النزلاء هي محط إعجاب كثير من الدول وبخاصة دول الاقليم التي ترسل وفودها لنقل التجربة اليهم..

نحن مع حقوق الانسان قلبا وقالبا..حقوق الانسان السوي ممن يرتكب جرائم بسيطة لا يتصف بالسلوكيات الجرمية الخطرة وبخاصة على أمن الوطن ونشد على ايدي المنظمات الحقوقية حول ذلك.. أما الارهابيون ومغتصبو الاعراض والاموال والقتلة وملوعو ومرهبو المواطنين الآمنين فهولاء (حسب وجهة نظري) إلى غياهب زنازن التحقيق والحبس الانفرادي في مراكز الاصلاح والتأهيل.

لنتق الله جميعا في أجهزتنا الامنية الباسلة التي هدفها الاول والاخير المحافظة على امن الوطن والمواطن ليبقى الاردن واحة للأمن والأستقرار ومضرب مثل في ذلك لكافة دول العالم غير مدفوعين لأي سبب آخر.. وعدم التشويش عليهم واتركوهم يؤدون واجبهم الامني اتجاهنا ووطننا الحبيب ولنخلق صورة مشرقة ونعزز صورتهم العالمية التي رسموها عن جدارة والتي نباهي الدنيا بها..

واتركونا من مصطلح (مانفرد نوفاك) القديم المستهلك اعلاميا وشعبيا غير المقنع نهائيا (تعذيب ممنهج) ونبحث عن جوانب مشكلة التعذيب وتفسيرها بمصطلح آخر يعبر عن المشكلة بصورة صحيحة هذا ان كان في الأصل هنالك مشكلة التعذيب والتي أحلف أغلظ الايمان بالله عز وجل وبشهادة موسى ومحمد عليهما السلام بعدم وجودها نهائيا بقاموس الامن العام الذي يحاسب بقسوة ابنائه على التعذيب الفردي من قبل أفراده.. وللحديث بقية.

* كاتب ومحلل أمني