سئُل الرئيس التركي (رجب أردغان) عن سر النهضة في تركيا التي تحققت منذ توليه للحكم؟ فأجاب: لقد عملنا على تنشئة جيل جديد وطني مؤمن بقدرته وبأهمية دوره في التغيير نحو مستقبل أفضل، مسلح بالمعرفة منضبط يعمل بجد، يحترم القوانين والأنظمة والقيم الإجتماعية. وعندما تقرأ عن سر النهضة في اليابان بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية دولة منهارة فكان السبب أنهم جعلوا من قيم (المعرفة والعمل) جوهراً لكل القيم الإنسانية، بل واضفوا عليها قدسية دينية وأخلاقية. وهذا ما عبر عنه رئيس الوزراء الياباني عندما سئُل عن ذلك قائلاً: نحن لا نملك عقولاً خارقة لكن لدينا معادلة بسيطة علم وأخلاق وعمل تساوي نهضة.

إن حضارتنا الإسلامية العربية كانت من أرقى الحضارات البشرية، لأنها كانت تعظم قيم المعرفة والعمل. ولأسباب كثيرة لا يتسع المجال للحديث عنها إنحرفنا عن الطريق الصحيح، فلقد أكد علماء الإجتماع ومن أهمهم العالم العربي المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع (إبن خلدون) في كتابه (مقدمة إبن خلدون)، وكذلك العالم الفرنسي (دوركايم)، في كتابه (تقسيم العمل الاجتماعي)، أن النهضة الحضارية تستمر طويلاً بل وتتجدد عندما تصبح القيم الفكرية والمعرفية فوق جميع القيم الأخرى. وقد أبدع إبن خلدون عندما ربط بين القيم الإنسانية و (العصبية) التي قصد بها الوازع أو الدافع الذي يجعل الإنسان متعصباً ومؤمناً بقيم يدافع عنها، كالعصبية العرقية أو الدينية أو الاقتصادية أو السياسية وغيرها من القيم الأخرى.

إن المطلع والقارئ لتاريخ الحضارات الراقية التي دامت طويلاً والتي أثرت العالم بالعلوم المعرفية مثل: الحضارة الإغرقية والحضارة الإسلامية بأنها جعلت من المعرفة والعلم أساساً لقيمها الإجتماعية.

لقد أدرك الغرب في عصر النهضة أهمية المعرفة في تغيير حياتهم، لذلك نجد أن العلماء والفلاسفة هم من حرروا مجتمعاتهم من التخلف والظلم وقاموا بإحداث ذلك التغيير بعقد إجتماعي جديد ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكوم وإخضاع كافة أشكال العصبيات في إطار مؤسسي سميت (مؤسسات المجتمع المحلي) مثل: الأحزاب والنقابات والجمعيات بكافة أشكالها وجعلتها الوسيلة والمنبر للتعبير عن رغبات وطموحات شعوبهم إستناداً لمبدأ (المواطنة) القائمة على العدالة والمساواة.

لقد أصبحنا في حاجة ملحة كمجتمع بأن يكون لدينا (طموح مجتمعي) وأن يكون لنا رغبة بالتغيير، وأن ننفض عن أنفسنا الغُبار المتراكم علينا من كثرة والوقوف والإنتظار. لقد أسعدني ما قاله الدكتور عمر الرزاز عندما تحدث عن حاجتنا للبدء بنهضة فكرية يقوم بها الشباب، وأنا أعلم صدق النوايا والرغبة الجادة والصادقة لديه، فإنني أقول ناصحاً أن النهضة الفعلية تحتاج إلى توفير بيئة مناسبة لإرساء قواعد المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات، ومن ثم ننطلق نحو تعظيم قيم العمل والإبداع والمواطنة. وحيث أننا لا نملك ترف الوقت لا بد لنا من أن نبني على ما هو موجود، والموجود يحتاج إلى رؤية وأهداف بمزيد من الخطوات الجادة بالإصلاح التشريعي لتوفير البيئة المناسبة ( دولة القانون)، القائمة على تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية.

إننا عندما نقف جميعاً مدافعين عن الحق ضد كل ما يضرنا ويسئ لقيمنا ومبادئنا الإنسانية ونقضي على الكبائر من آفات الفساد الأخلاقي بأشكاله المختلفة، تصبح صغار الأمور في نظرنا كبائر، وهذا ما نراه في الدول المتحضرة، فمفهوم الفساد لديهم واسع وشامل مهما كبرت أو صغرت الأفعال، وأستدل بذلك بموقف حصل مع أحد إمناء عمان عندما سأل رئيس إحدى بلديات المدن في أُوروبا عما هو الإجراء القانوني المتخذ في حالة بناء أحد المواطنين مخالفاً لنظام الأبنية، فأجابه مستغرباً السؤال: ماهي مخالفات الابنية ؟. وأختم هنا بالتذكير بما هو أفضل بقول رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، فذلك والله هو الإصلاح المجتمعي الذي جعلنا خير اُمة أخرجت للناس.