أفضت انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية، في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب، في حين عزّز الحزب الجمهوري سيطرته على مجلس الشيوخ في الكونغرس، على نحوٍ يضع حدًّا لتفرد الجمهوريين بالفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومة الأميركية، وهي الوضعية التي تمتعوا بها طوال العامين الماضيين.

فقد شهدت هذه الانتخابات انتزاع الحزب الديموقراطى الأغلبية داخل الكونجرس من الجمهوريين للمرة الأولى منذ 8 أعوام بحصولهم- حتى الآن- على 227 مقعدا مقابل 198 مقعدا للجمهوريين، فيما احتفظ الجمهوريون بسيطرتهم على مجلس الشيوخ بضمان حصولهم على 51 مقعدا على الأقل.

وتٌعد هذه الانتخابات استفتاء على عامين من ولاية رئيس لم يتوقف عن إثارة الجدل تارة بتصريحات وتارة أخرى بقرارات مست السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة بل قلبت بعضها رأسا على عقب. سيحد مجلس النواب الأمريكي بحلته الجديدة من التشريعات التي قد تضر بالديمقراطية وبحقوق الأقليات والمهاجرين، والضمان الصحي، بل سيمنع مجلس النواب الجديد التخفيض الضريبي المطروح من قبل إدارة ترمب لأصحاب الأموال الكبيرة. وسيتساءل مجلس النواب، بنفس الوقت، عن مدى تهرب الرئيس من دفع الضرائب عن أمواله.

وبالرغم من تمتع الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، مقارنةً بصلاحياته في السياسة الداخلية،إلا أن الديمقراطيين يضعوا السياسة الخارجية لترمب في دائرة استهدافهم، وذلك رغم إدراكهم محدودية تأثيرهم فيها مقارنةً بالسياسة الداخلية. و هذا لا يعني انعدام هذا التأثير، فكثير من مبادرات إدارة ترمب الخارجية يحتاج إلى موافقة الكونغرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب. ولا يخفي الديمقراطيون امتعاضهم من سياسات ترمب الخارجية وأسلوبه في التعامل مع بعض الحلفاء، مثل كندا والاتحاد الأوروبي، ومع الخصوم، كروسيا وكوريا الشمالية، وانسحابه من اتفاقات دولية، كاتفاقية باريس للمناخ، والاتفاق النووي مع إيران. ومن الأمور التي تتطلب موافقة مجلسَي الكونغرس، الاتفاقيات التجارية الجديدة التي تعكف إدارة ترمب عليها مع عدد من الدول، ككندا والمكسيك وكوريا الجنوبية وبريطانيا، بعد اكتمال انسحابها من الاتحاد الأوروبي.

وعلى عكس المعاهدات، التي تتطلب تصديق مجلس الشيوخ عليها فحسب، فإن الاتفاقات التجارية تتطلب تصديق مجلس النواب أيضًا. وثمة مبادرات أخرى أطلقتها إدارة ترمب يستطيع مجلس النواب بأغلبيته الديمقراطية تعطيلها، مثل تطوير الترسانة النووية الأمريكية وتحديثها، ويتطلب ذلك تحديد مخصصات لها في الميزانية الأمريكية. ينطبق الأمر نفسه على «قوة الفضاء» التي يعتزم ترامب إنشاءها والجدار على الحدود مع المكسيك.

ويبدو من خلال تصريحات زعماء الديمقراطيين الذين سيتسلمون رئاسة اللجان في مجلس النواب، بدءًا من مطلع عام 2019، أنهم جادون في نيّات الضغط عبر أغلبيتهم الجديدة لتغيير ما يرونه نهجًا سلبيًا من جانب الجمهوريين إزاء السياسة الخارجية التي يتبعها ترمب، وبأنهم سيضغطون للتشدد في التعامل مع دولٍ كروسيا والسعودية وكوريا الشمالية.

في المرحلة القادمة سوف ينشغل الرئيس ترمب بشؤون السياسة الداخلية، وسوف تشتت تركيزه نزاعاته مع الصحافة الأمريكية ومجلس النواب ومعارضيه، كما وستقع مزيد من الاستقالات في صفوف فريقه. لكن من جهة أخرى سيضطر الرئيس إن أراد النجاح في حده الأدنى للتحدث مع الأغلبية الديمقراطية والتوصل معهم لحلول وسط. وهذا بالطبع سيضر بأجندته الأحادية.

و يبدو إن الرئيس ترمب، بفضل هذه الانتخابات وبفضل سياساته قد فقد فرص إعادة انتخابه في عام 2020. لكن بنفس الوقت يجب مراقبة صراع القوى في الولايات المتحدة من الآن ولغاية انتخابات 2020، ففي الولايات المتحدة الأميركية مفاجآت قادمة.