يشكل فوز جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بجائزة تمبلتون العالمية فرصة ذهبية، لمراجعة خطاب المؤسسة الدينية الأردنية، لمعرفة قدرته على حمل مضامين رؤية جلالة الملك للإسلام، ودوره في مستقبل عالمنا المعاصر، وهي رؤية تستند إلى فهم عميق لروح الإسلام كدين للإنسانية يبشر بالمحبة والإخوة والتعاون، ويتسع للاختلاف والتعدد، فالقرآن الكريم مليء بالآيات القرآنية التي تؤكد وحدة الأصل للجنس البشري، والتي تؤسس في الوقت نفسه لمبدأ المساواة بين كل الناس باعتبارهم أبناء لنفس الأبوين.

غير وحدة الأصل للجنس البشري، فإن آيات القرآن مليئة بالقواعد، التي تكفل التنوع والتعدد، ابتداء من حرية الاعتقاد، التي تعني بصورة حاسمة التنوع والاختلاف اللذين لا يمنعان التعاون، وحب الخير للآخرين في إطار الإخوة الإنسانية.

كل هذه المفاهيم الإسلامية جسدها جلالة الملك عبدالله الثاني في أحاديثه عن الاسلام في دول العالم المختلفة، ومع غير المسلمين، مما ساهم مساهمة كبيرة في التعريف بالإسلام من جهة، وتبرئته من تهمة الإرهاب، وتحرير الناس من عقدة الإسلام فوبيا من جهة ثانية، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين خطاب جلالة الملك، وخطاب المؤسسة الدينية الرسمية، ففي الوقت الذي يجفف فيه خطاب جلالته منابع التطرف والإرهاب، ويرسم صورة حقيقية عن سماحة الإسلام، فإن خطاب المؤسسة الدينية يسهم في كثير من الأحيان بنشر التعصب والتطرف، فلو كان خطاب المؤسسة الدينية يقدم الإسلام كما يقدمه جلالة الملك، ولو كانت المؤسسة الدينية تقوم بأدوارها بتقديم الإسلام على حقيقته، لما انتشر التعصب المولد للتطرف المؤدي إلى الإرهاب، وعندي أن فكر التنظيمات التكفيرية تسلل إلى شبابنا من ثقوب ضعف المؤسسة الدينية الرسمية في العالم الإسلامي والأردن منه.

وعند الحديث عن ضعف المؤسسة الدينية، لابد من الحديث عن أسباب هذا الضعف، وأول هذه الأسباب يتمثل في تردي نوعية نسبة عالية من القوى البشرية العاملة في المؤسسات الدينية في بلادنا سواء من ناحية المستوى التعليمي أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء الاجتماعي، فلأسباب كثيرة ضعف الإقبال على التعليم الديني، إلا من شرائح بعينها، مع بعض الاستثناءات، ولم ترتفع هذه الشرائح إلى مستوى العصر، ومن ثم لم تمتلك أدواته فبقت خارجه، وحاولت أن تغطي عجزها عن الانخراط بالعصر، برداء ديني نسجته من تحريفها لبعض المفاهيم الإسلامية ومنها مفهوم السلف، الذي لعب دوراً كبيراً في تخلف خطاب المؤسسة الدينية، خاصة نحو الآخر على وجه الخصوص وفي التعامل مع معطيات العصر على وجه العموم.

لقد انعكست نوعية النسبة العالية من القوى البشرية العاملة في المؤسسة الدينية على أمرين خطيرين، أولهما نوعية ومضامين الخطاب الذي تقدمه هذه المؤسسة للجمهور، وهو خطاب شوه الإسلام في معظمه، ولم يقدمه على حقيقته لا للمسلمين ولا لغير المسلمين، ولعل هذه ميزة أخرى من مزايا خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عن الإسلام، وهي الميزة التي انتبهت إليها مؤسسة تمبلتون وارتكزت إليها كركيزة من الركائز التي اعتمدتها لمنح جلالته جائزتها لعام 2018، فجلالته منذ توليه مسؤولياته الدستورية ظل يبذل جهوداً مضنية لتحقيق الوئام بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم من أتباع الأديان الأخرى، وهذا فارق كبير بين خطاب جلالته وخطاب المؤسسة الدينية، الذي يكرس الانقسام المذهبي سواء داخل مذاهب أهل السنة أو الجماعة من جهة أو بينهم وبين سائر المذاهب الإسلامية الأخرى من جهة ثانية وبين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى من جهة ثالثة.

أمر آخر يميز خطاب جلالته عن الإسلام عن خطاب المؤسسة الدينية فبينما يتحدث جلالة الملك من موقع المدافع عن قضية يؤمن بها، ينطلق الخطاب الآخر من موقع الموظف الذي يؤدي عملاً روتينياً، ولعل هذا سبب من أسباب عدم تأثير خطاب المؤسسة الدينية الرسمية بالناس خاصة الشباب منهم.

Bilal.tall@yahoo.com