عشرة أيّام تَفْصِلَنا عن«الموعد»الذي قرّرته واشنطن لتنفيذ تهديدها بِـ«إنهاء» مساري سوتشي واستانا،أيّ يوم الرابع عشر من الشهر الجاري عندما يُقدّم المبعوث الدولي،المُغادِر موقِعه نهاية العام الحالي ستيفان ديمستورا «إحاطته» الأخيرة لمجلس الأمن،بعد إعلانه اعتزال المُهِمة التي فشِل في المحافظة على حياده فيها،وبدا حتى آخر لحظة مُنحازاً إلى مواقف الإدارة الأميركية ومَنْ يَأتمِرون بأمرِها،ويشارِكونها الرغبة في إفشال الحل السياسي للأزمّة السوريّة ومواصَلة الحرب فيها وعليها،عبر التعاون مع منظمات الإرهاب والقَتلَة وعلى رأسها داعش، الذي لا تتردّد واشنطن في دعمِه وتوفير الملاذات الآمنة له وبخاصة على الحدود العراقيّة السوريّة،ودائماً في التحرّش بالجيش السوري وقصف مواقِعه،كما حدث في العدوان الأميركي الأخير على جبل الغُراب جنوبي مدينة السخنة شرق حمص.

الإزدواجِية حدود التناقُض في المواقف الأميركيّة إزاء الأزمة السوريّة، تَبدَّت في التصريحات التي أدلى بها المبعوث الخاص لوزير الخارجية الأميركي إلى الشأن السوري جيمس جيفري،عندما وَصَفَ مسارَيّ «سوتشي واستانا»بِـ«المبادرَة الغريبة»،مُؤشِّراً إلى العمل الجاري لتشكيل اللجنة الدستورية،مُعتبِراً أن«فشلاً» قد تحقّق في هذا الإتّجاه,ما يستدعي توجيه «إنذار» أميركي ينتهي بحلول يوم 14 الجاري،وإلاّ (والقول له) فإن الولايات المتحدة ستُنهي مسار أستانا (كذا).ورداً على سؤال بشأن ما سيحدث بعد ذلك التاريخ؟ قال المبعوث الأميركي بغطرسة إمبريالية موصوفة:».. بعد ذلك سنعود إلى الأمم المتحدة»في إشارة إلى»مسار جنيف»،الذي تأمل إدارته إحياءَه بعد شللٍ ومَوات أصاباه منذ سبع سنوات. في الوقت ذاته الذي يُكيل فيه السيد الأميركي الأبيض،»المديح»لمنطقة «خفض التصعيد» في إدلب ويعتبرها أمراً جيداً،لافتاً إلى أن»كل مناقشاتِنا مع الأتراك بل ومع الروس أيضاً،تشير إلى أن الأمر كذلك بالفعل».لكنه وكعادة واشنطن في تشويه الحقائق واختلاق المُبرّرات والأكاذيب،لجأ إلى المُراوَغة،عندما تم سؤاله حول قصف المُسلّحين لأحياء سَكنِية في مدينة حلب باستخدام مواد كيماوية سامة مؤخراً؟،قال جيفري:إنّ واشنطن لا تستطيع (...) تأكيد استخدام الكيميائي في هذا الحادث،مُضيفاً أن الولايات المتحدة تتطلّع إلى»معرفة المزيد»بهذا الشأن.ومضى في تضليله قُدُماً عندما نفى ما جاء في تصريحات رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف الأخيرة،التي وصَفَ فيها ما تقوم به الولايات المتحدة شرقي الفرات بِـ»اللعبة الخطيرة»،زاعماً(جيفري) أن بلاده لا تزال مُتمسِّكة بدحر داعش في هذه المنطقة،بالتعاون مع أصدقائها وحلفائها(...).

هل تملِك واشنطن القُدَرة على نسف مسارَيّ..سوتشي وأستانا؟.

من الضروري التذكير بأنّ «اللجنة الدستوريّة»العتيدة،كانت قراراً اتّخذ في ختام»حوارات»سوتشي السوريّة/السوريّة،ونص على تشكيلها من مئة وخمسين عضواً،تقوم الحكومة السوريّة بتسمية ثُلثِها،وتسعى المُعارَضات أو ما تبقىّ منها لتسمية ثلث آخر،فيما أُوكِلت للأمم المتحدة مُهِمة تسمية الثلث الأخير،من شخصيات وممثلي المجتمع المدني السوري.هنا وجَدَ ديمستورا ومَنْ يقِف خلفَه من أجهزة ودول فرصتهم لتحقيق ما فشلوا في تحقيقه سابِقاً،وهو حشد المزيد من القوى المُعادِية لدمشق فقاموا بترشيح شخصيات ليس فقط لا وزن لها ولا حضور،بل ومعظمها تُقيم خارج سوريا وإنما أيضاً اؤلئك الذين يُجاهِرون بعِدائهم للحكومة السوريّة،وكان الأمر الطبيعي أن يكونوا في عِداد «ثلث المعارضة».وليس اعتبارهم زوراً.. ثُلثاً يُمثل المجتمع المدنِي السوري،كماأراد ديمستورا وواشنطن من خلفه.

وإذا ما عدنا إلى مسار استانا،فإن واشنطن أعلنت»عداءها»المُبكر لهذا المسار منذ أن تم شقّه بروِية وبُعد نظر،وبخاصة بعد وصول مسار جنيف بنسختيه الأولى والثانية إلى طريق مسدود،وكان الحضور التمثيلي لواشنطن،في حال حضَرَ،مُتدني المستوى مهمته التعطيل وتحريض وفد المعارَضات السوريّة،وليس التسهيل أو الدفع قدماً لتقريب وجهات النظر،والإعتماد النهائي للخيار السياسي كطريق إجباري وحيد لحل الأزمّة،التي ما تزال إدارة ترمب تأمل بأنّ «تقلِب الطاولة» وتُعيد تأجيج الصراع»العسكري»فيها،بعد الفشل الذريع الذي أصاب «مشروعها» في إسقاط دولتها وتقسيمها.

الرابع عشر من الشهر الجاري يقترب،ولن تكون واشنطن قادرة على دفن أو نعي مساري استانا وسوتشي.والأوراق التي تزعم انها تتوفّر عليها،وبخاصة اتّكاؤها ورهانها على مُرتزقتِها في قوات سوريا الديمقراطية،ليست على تلك الدرجة من الأهمية التي تسمح لها بِـ»إنهاء» هذين المسارين،فضلاً عن أن»خلافها»مع أنقرة آخذ في التفاقُم،ولن يُفرِّط الثُلاثي الضامِن...روسيا، إيران وتركيا،في ما تم إنجازه على هذين المسارين،رغم كل ما بينهم من تنافُس وخلافات وربما «كيد سياسي». ونحسب أن إدارة ترمب ستجد نفسها مُرغَمة على العودة عن تهديدها،والتوجّه نحو المبعوث الدولي الجديد،النرويجي جير بيدرسون لمحاولة «استمالَتِه» إلى جانبها،بعد أن يغادر»عزيزها»ديمستورا.. موقعه.

kharroub@jpf.com.jo