أبواب -غدير سالم

«ابني أنس» لحوح إلى حد كبير، فهو لا يكف عن الصراخ والبكاء من أجل أن يحصل على ما يريد، وهذا الأسلوب يجعلني دائمة الصراخ عليه حتى أنني أقوم بضربه أحياناً». بهذه الكلمات عبرت «أم أنس» وهي أم لطفلين عن استيائها من الإلحاح لدى طفلها الذي يبلغ من العمر خمس سنوات.

وتتابع: «ألقي اللوم بأكمله على والده فهو من كان يستجيب لكافة طلباته ويعطيه ما يريد، المهم أن يتوقف عن البكاء، ورغم أني أخبرته بأنه سيستخدم أسلوب البكاء للحصول على ما يريد ولكنه لم يستجيب، وبالفعل الآن يقوم أنس عند رغبته في الحصول على أي شيء بالصراخ والبكاء ويلقي بنفسه على الأرض من أجل أن نحقق له ما يريد، ولا أعلم ما أفعل معه؟»

فالطفل «الزنّان أو اللحوح» هو الذي لم يتعلم الصبر ولا يملك القدرة على الانتظار، وإذا لم يحصل على ما يريد في نفس اللحظة فإنه يغضب أو يرمي نفسه على الأرض أو يبدأ بالصراخ والبكاء لاستدرار شفقة الآخرين، أو التمادي في الإلحاح على طلب الأشياء، أمام الآخرين على وجه الخصوص.

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن: «الطفل الزنان أو اللحوح هو سلوك منتشر عند الأطفال، قد يبدأ من عمر سنتين أو ثلاث سنوات عندما يبدأ الطفل الكلام وقد يستمر لخمس سنوات أو سبع، فالإلحاح هو سلوك مكتسب «متعلم» بمعنى أن السلوك محكوم بنتائج فما يترتب على هذا السلوك من نتائج إيجابية أو سلبية، فإذا كانت ايجابية يستمر السلوك واذا كانت سلبية سيتوقف هذا السلوك، فالطفل الزنان عوّده أهله أو أمه أو أبوه على الإستجابة لكل طلباته، وغالباً نجد أن الأطفال المدللين هم الأكثر إلحاحا لأنهم على دراية بأن أهلهم سيرضخون لطلباتهم ويلبونها، فيتعزز لديهم هذا السلوك ويصبح وسيلة للحصول على كل شيء».

ويرى التميمي أن: « هذا السلوك فيما بعد يصبح مصدر إزعاج للأهل سواء في البيت أو المدرسة أو في أي مكان يوجد فيه، ومن الممكن أن يسبب للأهل الإحراج فإذا الح الطفل مثلا على شراء لعبة معينة سيستخدم هذا السلوك، لأن الأم أو الأب سيستجيبان له في النهاية لإحراجه لهم أمام الناس وهذا ما نسميه التعزيز السلبي وهو تلبية ما يريد الطفل للتخلص من إزعاجه، فيصبح فيما بعد هذا السلوك عند الطفل وسيلة للحصول على ما يريد».

ويبين التميمي الإجراءات اللازم اتباعها للتخلص تدريجياً من هذا السلوك فيقول: « تعتمد الإجراءات على عمر الطفل وادراكه للسلوك، فيجب أن نستخدم أولاً أسلوب التجاهل وهذا يحتاج الى ثبات من قبل الأهل بمعنى ان يتركوا الطفل يلح فيطلبه وفي النهاية لا يحصل على الاستجابة التي يريدها مع التوجيه من الأهل، فالتجاهل يكون مخططا له غالبا فيظهر للطفل بانك مهما أصريت على طلبك لن تحصل عليه وقد تحصل عليه ولكن باسلوب اخر مثلا عندما تنجز امورا أخرى من خلال اقران السلوك غير المرغوب بسلوكيات اخرى مرغوبة حتى تحصل على ما تريد مثل ترتيب الألعاب وترتيب السرير وإعادة الالعاب الى اماكنها».

ويضيف: «إذا لم ينجح التجاهل قد نستخدم أساليب اخرى كالحرمان فيقول الأهل لأنك ألحيت على الحصول على هذا الشيء ستحرم من اللعبة التي تحبها لمدة ساعتين، ومن الضروري الثبات والتزام الأهل في موضوع تطبيق الثواب والعقاب، وهو من افضل الطرق لنجاح أي عملية تعليمية أو تعديل أي سلوك أو تشكيل أي سلوك لأن في عملية تعديل اي سلوك من الممكن ان نشكل سلوكا ايضا، فعملية التربية ليست فقط تعديل وانما تشكيل سلوكيات ايجابية عن طريق النمذجة او التعلم بالقدوة، وهناك اساليب كثيرة منها تشتيت الطفل فالطفل «الزنان» قد نفتح معه موضوعا اخر او نذكره باشياء يحبها الهدف منها أن نبعد تفكيره عن الشيء المسيطر عليه وبالطبع هناك اساليب سلوكية كثيرة ولكن التجاهل والحرمان وتعزيز التفاضل يساهم في الحد من السلوك غير المرغوب» .

وتبين التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله أنه: « يستخدم الطفل في عمر السنتين البكاء للحصول على ما يريد وهي الطريقة الوحيدة للتعبير عما يريده وهي بالطبع حاجات أساسية، ولكن اذا استمر هذا السلوك لما بعد السنتين تصبح مشكلة سلوكية تحتاج تعديل».

وتوضح حرز الله كيف يكون شكل سلوك الزن أو الإلحاح فتقول: «يكون إما بالبكاء المستمر أو التذمر أو الشكوى أو انه يلقي نفسه على الأرض وهو غاضب، او أنه يلح بالكلام بطريقة تزعج الأهل للوصول إلى ما يريده». وترى حرز الله أنه: « يعود سبب هذا السلوك إلى قيام الأهل بتلبية طلبات الطفل مجرد ما بدأ بالسلوك دون اعطاء فرصة لمعرفة ماهية هذه الطلبات حتى اصبح سلوكا طبيعيا عنده بأن يلح عندما يريد شيء».

وعن سلبيات الإلحاح تقول حرز الله: « إن الإلحاح يجعل الأهل يلجأون إلى العصبية والضرب والصراخ على طفلهم لعدم القدرة على تلبية رغباته، أو تجعل الطفل يعتاد على هذا السلوك في المستقبل فيعجز الأهل عن تلبية هذه الرغبات عندما تكثر الطلبات وتزيد قيمتها المادية، هناك مقولة شهيرة لجان جاك روسو تقول «إذا كنت تريد أن يكون إبنك أتعس إنسان في العالم، أعطه كل ما يريد»، فعلينا ان نصل لمرحلة مع اطفالنا بأن يقدروا قيمة ما يعطى لهم من خلال رفض بعض طلباتهم التي تقدر من قبل الأهل بانها ليست مهمة».

وعن الإجراءات الواجب أن يتبعها الأهل مع الطفل ليتخلصوا من إلحاحه، تقول حرز الله: «كن هادئا برفضك لأن الغضب يجعل الطفل أكثر إلحاحاً بطلبه حتى لو كنت مستفزاً منه، لا تجعله يصل إلى ما يريده وهو استفزازك، و كن حازماً بقول «لا» إذا كان الطلب لا داعي له حسب تقدير الأهل، و تجنب الإزدواجية في التربية أي على الأم أو الاب أن يكونوا متفقين على رفض أو قبول طلبات الطفل وعلى الأم أن لا تلقي المسؤولية على الأب بقول «إذهب إلى أبيك» والاب كذلك عليه أن لا يقول «اذهب لأمك»، بالإضافة إلى عدم الرضوخ لبكاء الطفل امام الآخرين بحيث يقوم الطفل بإحراج أهله أمام الناس وعلى الأهل أن تكون ردة فعلهم الرفض، ولا تبلغ الطفل بأنه زنان حتى لا يقتنع بذلك من مبدأ النبوءة تحقق ذاتها، واقنع طفلك لماذا (لا ) حتى يصل لمرحلة الإقناع وليس العناد من طرفك فيكتسب هذا السلوك منك، وكن مرناً لبعض طلباته إذا شعرت بأنه التزم بالقواعد وأنظمة الطلبات وانه لم يعد يستخدم أسلوب الإلحاح.