أبواب - وليد سليمان

منذ ان كانت في العاشرة من عمرها وهي تدرس في إحدى مدارس اربد كانت تهوى فن التمثيل المسرحي,وكان ذلك في خمسينيات القرن الماضي.

انها فنانة الدراما المسرحية والتلفزيونية والاذاعية « سميرة خوري, العضو في رابطة الكُتَّاب الأردنيين,ونقابة الفنانين الأردنيين, والحاصلة على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من بيروت عام 1972.

وحول ذكرياتها الفنية وكيف كان مشوارها مع عالم الفن الدرمي منذ منتصف القرن الماضي, قالت الفنانة سميرة خوري ما يلي:

مسلسل القرار الصعب

وقمت بالمشاركة بالتمثيل في مسلسل «القرار الصعب» للكاتب بشير هواري والمخرج محمد عزيزيه عام 1982، وعند قراءتي لدوري في المسلسل كان دور الشر!! وهو كالعادة دور نمطي، فالمرأة فيه وُجدت شريرة هكذا بقدرة قادر! دون ان نعرف لماذا وكيف ومتى!؟ فقررت ان أناقش الكاتب والمخرج لكسر النمطية, وقلب مفهوم الشخصية, كي احسَّها شخصية حقيقية تتفاعل داخل الحدث، فأم صالح هي المرأة الغيورة الحقودة الانتهازية والأهم من هذا ان تربيتها الخاطئة لإبنها أدت لإرتكابه جريمة قادته الى حبل المشنقة.

فاقترحت ان تُصاب هذه المرأة بصدمة تؤدي بها الى الجنون عند سماعها هذا الخبر! ولكي نُحس بأن هذه المرأة انسانة حقيقية, تتأثر بالحدث وتؤثر على الحدث، فالجنون فعل من سمات البشر.

فوافق الكاتب على كتابة سيناريو جديد لهذا التحول المقترح, ووافق المخرج محمد عزيزيه ايضا، وسُعدت كثيرا بذلك واعتبرته انجازاً، بل خطوة ايجابية رائعة خص بها الرجل والمرأة.. فليس مهما أن التحوّل كان الى الجنون! المهم ان هذه المرأة ابتعدت عن الرمز، رمز الشر واصبحت انسانة واقعية تتفاعل مع المواقف، وبقدر ما كره الناس هذه المرأة في بداية المسلسل, بقدر ما تعاطفوا معها عندما جُنت وماتت، وما زال البعض ينادوني باسم (ام صالح) حتى الآن!!.

انطلاقة خارج الاردن

وفي مرحلة الثمانينيات كانت معظم اعمالي خارج الاردن في عواصم عربية واوروبية، حيث كان يُطلب مني المشاركة في اعمال مشتركة مع نجوم عرب من شتى انحاء الوطن العربي، وهذه المشاركات زادتني دراية ومعرفة وثباتاً.

ففي مسلسل (لعبة العمر) الذي تم تصويره باليونان تقاسمنا البطولة النسائية انا والفنانة المصرية ليلى طاهر, حيث كانت الزوجة الثانية لزوجي الفنان محمود سعيد، وقد أدان الكاتب صبحي ابو لغد في هذا العمل الرجل، حيث تعرض لهذا النوع من الرجال الذين تأخذهم أهواؤهم امام امرأة جميلة وثرية وتنسيهم انسانيتهم ومسؤولياتهم امام اسرهم واطفالهم.

ومعظم مشاركاتي خارج الاردن كانت مع الكاتبة (جلبهار ممتاز) حيث عُرفت بتوازنها في استخدام صورة المرأة في الدراما.

فالمرأة الواعية في نصوصها تشكل فعلا نصف المجتمع، ولكنها لا تستطيع ان تبدع وحدها، لان الابداع لا يأتي من طرف واحد ضمن مجتمع نريده ان يتطور.

تطور صورة المرأة في المسلسلات!

وعن مرحلة الثمانينات تقول الفنانة خوري:

لقد كانت مرحلة متميزة في تاريخ الحركة الفنية الاردنية حيث بدأت تظهر المرأة في نصوص بعض الكتّاب الاردنيين بصورتها الايجابية.

فالدكتورالشاعر وكاتب المسلسلات «وليد سيف» كان السّباق في هذا المجال، ففي مسلسل عروة بن الورد اخراج صلاح ابو هنود عام 1981، كانت المرأة السبية هي حبيبة عروة, فطلب ان يحررها من عبوديتها ليعيدها الى قبيلتها بقصد الزواج منها، لكنها وقفت حائرة بين حبيبها الذي مارس عليها العبودية بانجابه طفلين منها رغماً عنها، وبين كبريائها الذي اعتبرته اهم بكثير من حبها له, فاختارت حريتها والعودة لقبيلتها رغم ان حبها له ظلَّ يكبر في اعماقها يوما بعد يوم.

الطواحين ورياح الليل

وفي مسلسل (الطواحين) للكاتب محمود الزيودي وللمخرج سعود الفياض, كانت المرأة «الجدة» هي ركيزة المجتمع القوي المتماسك, حيث وقفت بالمرصاد لكل متسلط يحاول ان ينال من قوة هذا المجتمع.

اما الكاتب ابراهيم العبسي فقد ركز كثيرا على اضطهاد المجتمع للمرأة فكنت في مسلسله (رياح الليل) من اخراج عروة زريقات, الضحية والجلاد معا، كنت ضحية مجتمع قاسٍ ادى لطبيعة صعبة انعكست بمفهومها التراتيبي على من هم اقل مني قوة وحيلة، حيث الظلم والقهر، فكانت مريم (الابنة) هي ضحية هذا الإفراز.

أما الكاتب جمال ابو حمدان فقد كانت المرأة في فيلمه (الهاربة الى النور) اخراج نجدت انزور، ضحية مجتمع لا يعترف بتعليم المرأة، فهربت من القرية لتكمل تعليمها ضمن معطيات تُدين المجتمع لصالحها.

وفي فيلم (سيدي رباح) الذي كتبه جبريل الشيخ واخرجه موفق الصلاح وقفت المرأة تحذر بحدسها اللاوعي من خطورة طغيان المعتدي.

وفي مسلسل (الكف والمخرز) كانت المرأة تعيش متناقضات عجيبة، حيث تجلى جميل عواد بابراز صورة المرأة الفقيرة المعدمة التي لا حول لها ولا قوة امام جبروت مختار القرية تطالبه بالحرية.. حرية القول والفعل.

لذا كانت الثمانينيات مرحلة تطور صورة المرأة الاردنية في الدراما عند بعض الكتّاب, مما أدى لإنعطافة اخرى بارزة لصالح المرأة الفنانة، لكن قيود المحذورات التي تفرضها معظم محطات التلفزة العربية حالت دون استمرار هؤلاء المبدعين.

الربح والخسارة

وايضا ما طرأ على الساحة العربية من تقهقر سياسي تبعه تقهقر اقتصادي خاصة في بداية التسعينيات أدى لتجميد الحركة الفنية في الاردن، وحرب الخليج كانت سبباً مباشراً لذلك. فبدأ بعض المنتجين الذين لا تهمهم إلا عملية الربح والخسارة متناسين شيئاً هاماً اسمه الإبداع!!.

فقد بدأوا باستخدام نصوص رخيصة لكتّاب هم أشباه كُتّاب وبالتعاون مع ممثلين هم أشباه ممثلين، ومخرجين لا يفقهون شيئاً عن الاخراج، بدأوا يقدمون اعمالاً اردنية خالية من اي مضمون.. سُوقت على اكتاف المبدعين الذين قضى بعضهم نحبه, وهو يلهث وراء كلمة راوده الشك للحظة بانها قد تكون مفيدة، فيحاول استبدالها باخرى قد تكون اكثر فائدة.

وهذا الوضع المحزن أدى الى ان ينعزل كل مبدع بنفسه داخل بيته، وما زال حتى الآن تقريباً!!.

الفنان اللبناني عبد المجيد مجذوب

وكنت واحدة من الذين شلّتهم حركة التهريج المفجعة هذه، لم أعد أرى الحلم الجميل حتى في مخيلتي، الحلم الذي دفعني اثناء بداية المسيرة كي أكمل دراستي الجامعية عام 1978، كنت أذهب الى بيروت في نهاية كل عام لأقدم الامتحانات الجامعية.. فأجد هناك بانتظاري الفنان عبدالمجيد المجذوب والمرحوم إيلي ضاهر وعماد فريد, وقد جهزوا الاستوديو لأشاركهم باعمال درامية علّهم يردّون بعض الجميل للأردنيين الذين فتحوا لهم ابوابهم للعديد من الاعمال التلفزيونية اثناء أزمتهم في حرب لبنان في منتصف السبعينيات.

وبقدر ما كان هذا الاحساس يفرحني، كان يحزنني اكثر لانه قلّما نجد في هذا الزمن من هم على شاكلة هؤلاء الطيبين.

رصيد فني

والآن وبالرغم مما حققته من رصيد فني على صعيد المسلسلات التلفزيونية والتي فاقت حتى الآن» «180» مسلسلا وسهرة تلفزيونية واذاعية لعبت خلالها معظم الشخصيات النسائية منها المرأة الشريرة، الضريرة، المضطهدة، المعاقة، والزوجة الصالحة، زوجة الاب القاسية وسيدة القصر الثرية.. الخ.

وبالرغم من ان حصيلتي في المسرح «27» مسرحية, وفي الاعمال الدرامية الاذاعية حوالي الـ»1000» عمل عدا عن مشاركاتي الفاعلة في المؤتمرات العربية الدولية للحديث عن الدراما والمرأة والحلم, وكتابة السيناريو والمقالات النقدية الفنية.. لكنني ما زلت أشعر بأنني لم أحقق سوى الجزء الضئيل من هذا الحلم, الذي عاش بداخلي منذ ايام الطفولة، منذ ايام مسرحية الملكة دعد في المدرسة!.