رحل منذ خمسة عشر عاماً المفكر والناقد والأكاديمي الرفيع الفلسطيني- الأميركي إدوارد سعيد(1935-2003) بعد حياة ثرية امتدت إلى سبعة عقود، عاش الأخير منها في صراع مع المرض الخبيث قبل أن يذوى جسده النحيف؛ ولعله أحد أبرز هِؤلاء الذين هزموا الغياب بالحضور. فسعيد الذي عاش يفاعته في الشرق بين فلسطين ولبنان ومصر،انتقل شاباً إلى العالم الجديد، فدرس الأدب المقارن ومارس تدريسه في أرقى الجامعات الأميركية، منطلقاً من قراءته النقدية لإعمال الكلاسيكيين، لكنه في نفس الوقت كان يصوغ نظريته التي أحدثت عاصفة فكرية، والتي نشرها في كتابه «الاستشراق»- Orientalism - عام 1978، فتغير العالم الفكري والثقافي بعدها، ولم يعد أبداً كما كان.

فقد بين سعيد في كتابه هذا،أن الاستشراق كان جزءاً من مؤسسة سياسية غربية لتخيل الآخر، وتمثيله، واختزاله، بهدف السيطرة عليه. وأدى الخطاب الاستشراقي بشكل عام وظيفة تعبوية وسياسية خدمت القوى الامبريالية، خاصة الانجليزية والفرنسية، وشكلت مكوناً أساسياً في مناخات صعود الهيمنة الغربية على البلدان العربية. فالاستشراق عند سعيد هو تلك المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق، بإصدار تقارير حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه وتدريسه والاستقرار فيه، وحكمه. وبإيجاز، الاستشراق أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، وإعادة بنائه، وامتلاك السيادة عليه. فهو سلطة معرفية وسياسية كما أكد سعيد في كتابه المٌشار اليه.

فكتاب «الاستشراق» وبعده كتاب «الثقافة والامبريالية»(1993) – Culture And Imperialism - والذي اعتبره كثير من النقاد بمثابة الجزء الثاني لكتاب الإستشراق رغم الفارق الزمني بينهما(15 عاماً) وكان سعيد قد وصل فيه إلى ذروة الحس الإنساني في مواجهة تيار المركزية الغربية، يمثلان في مجموعهما ما يمكن اعتباره النص المؤسس لنظرية ما بعد الاستعمارية في دراسات الثقافة التي أزاحت تراكمات من الانحيازات المركبة جعلت من الخطاب الغربي عن المشرق كأنه جزء لا يتجزأ من المجهود الحربي الموجه للسيطرة على المنطقة والهيمنة عليها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع صورة نقيضه للذات الغربية في صورتها وفكرتها الكلية وشخصيتها الجمعية وتجربتها التاريخية. فوفقاً لسعيد، فإن المشرق كما يُقرأ في الغرب لم يكن إلا اختراعاً أوروبياً محضاً ليس له رصيد فعلي من الواقع. وهو صريح في اتهامه للغرب بأنه احتاج إلى الممارسة الاستشراقية أساساً بحكم حاجته إلى بلورة هوية ذاتية، من خلال وضعها مقابل الشرق- الآخر المختلف.

فالاستشراق- عند سعيد - هو نظام من «السرد الأيديولوجي»، متداخل مع مسألة السلطة، والهيمنة وعلاقات القوة. والذي بدوره يتحول إلى «نظام للحقيقة» يعتنقه الطرفان بوعي أو من غير وعي، لتترتب عليه إجراءات مادية تكرس هذه «الحقيقة المتخيلة» ليصير لها تاريخها الذاتي الواقعي، ولتأخذ مواقع مستقرة في العقل الجمعي للمجتمع.

وينطلق سعيد من نقد المركزية الأوروبية إلى نقد الإمبريالية الأميركية الراهنة ضد العالم كله وليس العرب وحدهم، مؤكداً التعددية الثقافية كوجه آخر للحرية الإنسانية، وضرورة التفاعل الثقافي السلمي لإنماء الإنسانية وازدهارها من دون تعال عنصري أو أدعاء بالرسالة التي تغدو وجهاً آخر لإمبريالية تهدد قيم السلام بين الشعوب. وهو أن بقي دائماً متحدياً عنيداً ضد أوهام الإمبراطورية الأميركية، فإنه اختار أن يقاتل من داخل أرض العدو وبلغته وأدواته، الأمر الذي اعتبره البعض تناقضاً حاول هو التصدي له في كتابه «صور المثقف»(1994) Representations of the Intellectual-

وقد تعرضت كتابات سعيد إلى مجموعة من الانتقادات وجهت لموقفه من الثقافة والهوية في الشرق الإسلامي ودور الاستشراق في ذلك، بحيث ركزت هذه الانتقادات على تبيان أن سعيد اتسم في مؤلفيه – الاستشراق والثقافة والإمبريالية – بنزعة واضحة للمبالغة في استخدام الصور النمطية، والتعميم المسطح فيما يتعلق بفئات المستشرقين. فقد أغفل سعيد وجود استشراق ألماني وآخر مجّري لم يكن له ارتباط بالسياسات الاستعمارية في المشرق، كما انه أصبح هدفاً لمثقفين قالوا انه جعل من الشرق بمثابة ضحية بلهاء،تسبب بتخلفها المُستعمر.

وبالرغم من ذلك، كان سعيد في الاستشراق والنظرية الثقافية كما غاليليو، أو دارون، أو ماركس، أو غرامشي، مؤسس «برادايم جديد» ونسق مغاير كلياً لكيفية رؤية العالم. وسيبقى جزءاً من الذاكرة الحية والملهمة للثقافة العربية التي دافع عنها، على رغم الرحيل الذي يمر عليه اليوم نحو عقد ونصف العقد من الزمان.