دكتور كميل موسى فرام

تنوية: «قبل الحديث عن محطاتي الدراسية التي أحن اليها ولكل منها مساحة مهمة من سنوات العمر، فأجدني موضحاً أن ما أكتبه اليوم من وحي التجارب الشخصية هو بهدف التوثيق الأمين لفترة عمرية نمر فيها جميعا باختلاف ظروف كل منا، وربما فرصة لاستخلاص عبرة أو ترجمة نصيحة وبتطبيقها على أرض الواقع، أو اظهار مدى الصعوبات التي رافقت مسيرتنا الدراسية حتى عبرنا إلى أراضي العلم والمعرفة، وهي واقع عاشه الكثيرون من أبناء جيلي».

يمثل الحنين للماضي والوقوف على أطلاله من حياة الفرد بكل مفاصله وتفاصيله لسرده كذكريات أو الاستفادة منه بتطبيق ايجابياته أو تصحيح سلبياته حدثا واقعيا بالبناء، فحياتنا محطات ومراحل نحياها؛ العفوية منها، الالزامية، التعليمية، النضوج، والعمل، تبدأ بغلاف البراءة الخالصة، فقد كانت حياتنا بمجمل مقاصتها بصورة أجمل من اليوم، ففيها الواقعية وتخلو من التمثيل أو التقليد، شعارها المحبة والحرص والتعاون بعكس واقع اليوم من الأنانية وحب الذات، حروفها اليقين الذي يبنى على المعرفة والتفكير، بينما نجد اليوم واقع التجميد للعقول بتوفير فرص التفكير عبر التطبيقات الذكية وما توفره من جهد وزمن، كانت العائلة الكبيرة والصغيرة، عائلة الحي والحارة تجتمع بسيمفونية السعادة كل مساء تجلس على أريكة من القماش أو بساط صوفي، يكون لابريق شاي الغزالين الذي يسخن على بريموس الكاز فيها مذاق مختلف بوجود النعناع أو الميرمية كإضافة، فتنتهي الجلسة بفنجان قهوة ايذانا بانتهاء يوم سعيد ووداع للقاء في الغد، كنا نمارس طفولتنا بدائرة نصف قطرها عشرات الأمتار بعيدا عن الجلسة بين اللعب في طائرة ورقية استهلكت الجهد والتعب لإبرازها لحيز الوجود، أو التسابق بلعب القلول (الدواحل) بعدة أشكال وصور، لعبة الكوميستير والسيارات باستخدام صواني المطبخ (من يلمس الهدف أولاً) وهناك لعبة ما زالت تسكن بمكان مرموق بالذاكرة الطفولية وهي لعبة الحجلة (قذف حجر مربع صغير بين المستطيلات الأرضية بتدرج بدون لمس الخطوط الفاصلة) حتى إذا كنا محظوظين لندخل بمسابقة المعرفة على مستوانا من عواصم الدول أو أسماء أبناء الحيوانات وربما فاصل في الرياضيات لاكتشاف الموهبة، ولكل حارة من حارات الحصن طقوس تجمعها عموميات الأداء، سنوات نقضيها تمهيدا لدخول المدرسة الابتدائية حيث لم تكن صفوف الروضة تحتل مساحة دراسية كحاضرنا اليوم، وتميز ذلك العصر الممتد من السنة الابتدائية الأولى التي بدأت بالعام الدراسي 1965/1966 وانتهت فصوله بسنة الثانوية العامة 1976/ 1977 ، توزعت على ثلاث مراحل؛ الابتدائية ست سنوات، الإعدادية ثلاث سنوات، والثانوية ثلاث سنوات، وعندما أقلب صفحات ذكرياتي فأدون أن هناك مدرسة حكومية واحدة للذكور ومثلها للاناث لكل مرحلة دراسية بالاضافة لمدرستين خاصتين مختلطتين تحتضنان نخبة من الطلبة حتى مستوى الصف السادس الابتدائي لينتقل الطالب الذكر (الولد) بعدها لمدارس الحكومة حيث تنتهي دراسة الاناث فيها للصف التاسع قبل الانتقال لمدارس الاناث الحكومية.

المدارس لم تكن مهيئة ببنية تحتية تناسب الفصول الموسمية، أبنية بُنيت في أماكن متفرقة بحرص المحافظة على البعد عن فرص الاختلاط، المعلم قدوة بالقول والتصرف، حيث بدأنا الصف الأول الابتدائي وفي معظم الحصص اليومية بتعلم حروف اللغة العربية وأرقامها، ويقفز للذاكرة الآن معلم اللغة الأول الأستاذ المحامي تركي حداد أطال الله بعمره ونحن ننشد الحروف غيبا بلحن حفر أيقونة خالدة حتى يومنا وكانت كفيلة يتزويدنا بأبجديات سلاح المعرفة قبل الانتقال لمرحلة خلط الحروف وربطها وتجميعها لتكوين كلمات ذات دلالة ومعنى وأولها؛ ماما، بابا، باب، أبواب، دار، دور وغيرها من الكلمات التي كانت ذات طابع استخدام يومي، ويذكرني اليوم كيف كتب الحروف على كرتونة بيضاء يظهرها لنا برهة ويخفيها خلفه لنتسابق بمعرفة الحرف بمشهد بعث فينا روح التنافس الشريف وامتد هذا الحال حتى نهاية المرحلة الثانوية، وللأمانة بالقول فقد تعلمنا خلال المرحلة الابتدائية الممتدة أسس قواعد اللغة العربية بطريقة لا تسمح بالنسيان تعتمد على الفهم وليس التلقين، أمارس جزءًا من أسسها التي تعلمتها حتى يومنا الحاضر بما أكتب وأنشر، وتعلمنا أسس كتابة الخط العربي بحصة مدرسية أسبوعية ليكون الدرس المرحلي التالي درس الرياضيات التي رضعنا مبادئها بحرفية خالدة في الأذهان حتى اليوم، فبعد فاصل العد حتى الرقم عشرة بدأنا بتعلم أسس العمليات الرياضية؛ الجمع، الطرح، الضرب، والقسمة باسلوب ممنهج ومحبب ضمن خطة دراسية مدروسة، فتحضرني الآن ذكرى وصورة اللوحات الخالدة بمتحف الذاكرة الذي يحتضن بُردى جدول الضرب عندما كان شعارا يوميا في الصباح الباكر ينشده جميع طلاب الصف بصورة جماعية ومنفردة، بدءاً من جدول الرقم واحد لسهولته حتى الرقم عشرة لسهولته أيضاً، بلحن وموسيقى حاضرة في الواقع حتى يومنا، فكان هناك ثبوت للرقم المتكرر في الخانة الأولى بينما تتغير القيمة في الخانة الثانية، ويمكنني القول بجرأة أن مستوى الطلبة وتحببهم للدراسة ساعد على جني محصول ومخزون معتبر من المعرفة حيث استكملنا المسيرة الدراسية عبر السنوات اللاحقة بتعلم جغرافية الأردن خصوصا أن تلك الفترة شكلت مفصلا مهما بتكوين الدولة الأردنية بعد حرب النكبة العربية الثانية في حزيران عام 1967، فقبلها تعلمنا أبجدية المصير بين ضفتي الأردن بتوأمة عمان والقدس وكل المدن القابعة في أرض فلسطين، فلم نسمع أو نمارس لغة التفريق الدينية أو القومية او أي من الشعارات التي تجسد الحدود، فنهر الأردن المقدس يفصل الشطرين بحكم الطبيعة الجغرافية والطبغرافية ولكنها الحرب اللعينة، حرب النكبة الثانية (حرب الأيام الستة) انتهت بهزيمة مبرمجة جففت ينبوع الشعارات العربية بالتحرير من البحر الى النهر حيث عدسة طفولتنا تلتقط وتوثق وتسجل بالذاكرة وتعيش على الأمل، بما تركته من آثارٍ نفسية سلبية تلاحقنا ظلالها حتى الساعة، فكان علينا كاطفال أن نلتم ونلتزم بمنازلنا بوقت مبكر من اليوم خوفا من غارة جوية أو قنبلة طائشة، فحُرمنا لفترة ليست قصيرة من اللعب في الحارة والشارع خصوصا بتشكيل فرق كرة القدم بين الحارات، فترة عصيبة مؤثرة اختلطت موازينها وتقاطعت أسسها وساهمت بخلق شكل من أشكال الفوضى بشهادتنا، فتخللها تصرف أرعن من بعض الفئات المسلحة التي وُلدت بمبرر التحرير فاستقطبت بشعاراتها وطُعمِ كلماتها التي داعبت الداخل نخبة من الشباب بحماس التحرير وللهروب من استحقاقات الدراسة أحيانا بسبب تواضع المستوى التحصيلي لتلك الفئة التي تكبرنا عمراً ولكنها مؤثرة بمسيرتنا العلمية في ذلك الوقت، فبعد أن كانت البلدات والقرى تزدحم بأبنائها وهم معروفون للجميع بشعار ضرورة والزامية التعليم والذي ساعد فيما بعد عبر امتداد السنوات لزيادة الفئة المتعلمة من منطقة شمال الأردن (محافظة اربد)، لتتكاثر الأرجل الغريبة عن المجتمعات القروية، وبالرغم من كل الهموم التي سيطرت على أحداث تلك الفترة العصيبة بهاجس الخوف الذي يدفع الجميع لمسألة كل طير غريب عن سر تواجده في أحيائنا بطريقة حضارية هدفها التعرف على الشخص وظاهرها عرض المساعدة والكرم، ولكن ذلك الواقع أدخل طفولتنا بأجواء جديدة غريبة فالتحفنا الخوف، وكنا ننتظر يوميا باتفاق مسبق مبرمج أو عفوي ضمن أحجية المشاغبة الطفولية - ويقيني أن مثل هذا الشعور بتضييع بعض الحصص الصفية بالنسبة للطلبة ما زال ماثلا حتى يومنا هذا - حضور ثلة من الشباب المسلحين لاخراجنا من المدرسة عنوة وإعلانا بانتهاء اليوم الدراسي لنخرج بمظاهرة وشعارات خدرتنا لفترة تاريخية بسبب العجز عن الاعتراف بأسباب الهزيمة وتبادل الاتهامات بين الدول ليقف المعلمون مكتوفي الأيدي، مغلوباً على أمرهم بنظرة خوف وحزن، وربما أسجل للأمانة أن تلك الحركات ساهمت بتغير مسار الحياة المستقبلية لفئة معتبرة من الشباب المتحمس الذي يكبرنا سنا فظل طريقه العلمي ليلتحق بشعارات أنشدناها ببراءة وكلماتها كفيلة بتحرير لواء الاسكندون لو طُبقت على أرض الواقع، ولكنه جريا على الأسلوب للتعامل والأحداث، فهناك مبرر وكبش فداء لكل حادثة ومصيبة حيث أعمدتها تنحصر في مساق الخيانة بفنون التعبير والأشكال، بينما الخطابات السياسية والحماسية الـتي احتلت عناوين الأخبار في تلك الفترة العصيبة من تاريخنا بما فيها تساقط طائرات العدو كالذباب فوق البحر لقمة للسمك الجائع قد زرعت فينا جزءًا مهماً من بذور الوطنية والانتماء للتحرير، وهو الحلم والهم لحاضرنا اليوم على شعارات زمرة متهورة أمثال أحمد سعيد في اذاعة صوت العرب بالرغم من تعاظم الانكسارات وتسارع الانتكاسات التي تغذيها إملاءت بحكم القوة والحاجة، بينما هشيم النار يحرق آمالنا وامنياتنا للمحافظة على واقع حالنا بكامل سلبياته.

بعد فترة قصيرة، وانتهاء حرب الاستنزاف التي أعقبت الهزيمة وبروز اسم الأمين العام للأمم المتحدة يو ثانت من ميانمار (1961-1971) وقرار مجلس الأمن الدولي الشهير رقم 242 بإعادة الحقوق المسلوبة لأصحابها كان لا بد من الابحار في نهر النسيان خصوصا أن التاريخ يكتب بلغة المنتصر، وبدأنا رحلة العلم من جديد لنتعلم اللغة الانجليزية في الصف الخامس الابتدائي وكان الفضل لمعلمنا الأستاذ الياس سويدان أطال الله بعمره (والذي كان يدرسنا الرياضة أيضاً استكمالاً للعبء التدريسي) فضلا عظيما بتعلم أبجديات هذه اللغة، أسلوب مشوق اعتمد على تسلسل الأحرف الانجليزية ومقارنتها لفضاً ومعنى باللغة العربية الأم، فكانت هناك حصتان يوميا تبدأ كل منهما بالتعرف على الأحرف بشكليها، الحروف الكبيرة والصغيرة منها، قبل أن نبدأ بالتعرف على أبجديات قواعد اللغة الانجليزية، ودعني أعترف لكم اليوم أن صوت الاستاذ ما زال يطرب مسمعي خصوصا عندما أخبرني الظروف الحاضرة التي تلزم الحاق حرف السين للمجموع والتي تعبر عن المفرد المذكر، المؤنث، والشيء (هي- شي- إت)، كذلك قاعدة استخدام لغة الجماعة أو التعبير عن المتحدث (أنا - نحن)، وخلال سنتي المستوى الابتدائي - الصف الخامس والسادس – تعلمنا أبجديات تصريف الأفعال الانجليزية؛ الحاضر، الماضي، والمبني للمجهول باسلوب مشوق خصوصا لقاعدة الأفعال الشاذة، والأهم من كل ذلك تعلمنا القراءة الصحيحة للجمل والعبارات ولفظ الكلمات بصورتها اللغوية الدقيقة.

المرحلة الابتدائية كانت فرصة ذهبيت لدراسة تاريخ نشأة الحضارة الاسلامية منذ بدء الدعوة، مرورا بعصور الخلافة، الخلفاء الراشدين والأمويين وتحقيق الهمة لرقعة ومساحة موقرة لم نتمكن من المحافظة عليها بسبب قسوة القلوب وحضور الشك، فكان هناك جزئية مهمة لاستعراض الحروب التي وقعت في تلك الحقبة وتطورات التكوين للبلاد العربية، بالتزامن مع دراسة جغرافية العالم العربي بقارتية؛ الآسيوية والإفريقية، فكان هناك حصص مخصصة لمادة الاجتماعيات بشقها الجغرافي والتاريخي، مع التركيز على تاريخ الدولة الأردنية وتفهم ظروف نشأتها وتطورها وتقسيماتها والتحديات التي واجهتها منذ انطلاق رصاصة الثورة العربية، إضافة لتحديات التحديث بتوفير بنية تحتية عمادها الكهرباء والماء وطرق المواصلات وخطوط الهواتف الأرضية، ويُحفر في الذاكرة العقوبة الأولى التي تلقيتها بالصف السادس الإبتدائي من قبل المعلم صاحب الفضل الأستاذ سليم النمري أطال الله بعمره بسبب كثرة دخولي لغرفة الادارة والمعلمين وعدم الالتزام بتحذير شفوي سابق فكانت العقوبة تتمثل بفتح اليد وتلقي موجات ضرب خشبية مبرحة بعصا المعلم يعانقها صراخ الألم والتوبة ووتشفي بفرح من الطلاب، وخلال تلك الفترة الدراسية كانت هناك فرصة ذهبية عمرية لأكون شاهدا بالذكريات على سماع المذياع (الراديو) للمرة الأولى عبر جهاز غريب الشكل والتكوين في منزل أحد وجهاء البلدة بحكم الجيرة قبل أن تمتلك عائلتي هذا الجهاز الذي نحتفظ فيه حتى اليوم لذكريات عزيزة علينا خصوصا بنبأ سماع اسم شقيقي الأكبر كريم عندما نجح بالثانوية العامة وهي الوسيلة الوحيدة التي كانت متوفرة في ذلك الوقت لمعرفة النتائج، حيث التصقنا أفراد العائلة حول الراديو بصمت وتوتر وأجواء تحرم الهمس رافقه تسارع بنبضات القلب للخوف الذي يغلفنا من النتيجة بسبب ظروف تقديم الامتحانات في تلك السنة التي شهدت أحداث ايلول 1971، وما أن اقترب موعد سماع أسماء الطلبة الناجحين بالفرع العلمي لثانوية اربد للذكور ليتضاعف الصمت العائلي خلال تسلسل الحروف الأبجدية بالقراءة، لتكون استراحة قصرية في التاسعة مساء لنشرة الأخبار قبل أن تكمل الأسماء بخوف مغلف من انقطاع التيار الكهربائي والذي كان حدثاً شبه يومي، وبعد الأخبار اُستكملت قراءة أسماء الناجحين حتى وصلنا لحرف الكاف وما أن سمعنا الاسم الثلاثي لتنطلق الزغاريد والمهاهاة من حنجرة الوالدة أطال الله بعمرها، رافقها قبلة من والدي الذي نطق بقول مشهور»الآن أصبحت أباً للدكتور كريم» بشارة خير وتفاؤل وختم القول بتشجيع طال أفراد العائلة للسير على نفس النهج بعبارة ما زال صداها يدمعني فرحا بقوله « أنا على استعداد لبيع جاكيتي من أجل دراستكم»، وهو الوقت الذي أعلن نهاية حقبة الدراسة الابتدائية بمفاصلها في مدرسة ملاصقة للمنزل والانتقال للمرحلة الإعدادية التي شكلت منعطفاً آخر بذكريات حلوة بمرها وأحداثها سوف أوثقها في القريب وللحديث بقية.