لا يمكن لمن كان يتابع نشاط المرحومة انعام المفتي، في العمل الاجتماعي والتنمية المتكاملة، الا ويسترجع في ذهنه تلك السنوات كانت هذه السيدة المعطاءة تعمل طوال اليوم وتتابع بكل لحظة لخدمة الانسان الأردني واسعاده، باسلوب تنموي هادف ليصل هذاالانسان الى مستوى أفضل من القدرة على الانتاج والاعتماد على الذات وللتخفيف من العوز والحاجة لدى الفقراء وتاهيل ذوي الحاجات الخاصة ليقووا على تسيير حياتهم الخاصة والآندماج بالمجتمع.

فبقدر ما لمست القيادة الحكيمة نشاط هذه المربية القديرة في مجال التربية والتعليم وخاصة في اعداد المعلمات في الضفتين منذ 1948 اختارتها الحكومة برئاسة السيد مضر بدران لتؤسس وتدير دائرة لشؤون المرأة وتعزيز دورها، تحت مظلة وزارة العمل في عهد المرحوم عصام العجلوني،الى ان تشكلت حكومة الشريف عبد الحميد شرف بأفكارها التجديدية الشابة، واستحدثت وزارة التنمية الاجتماعية كبديل لدائرة الشؤون الاجتماعية ذات الاطار التقليدي، كانت انعام المفتي ذات الاسم الأبرز، فصارت اول وزيرة للتنمية الاجتماعية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، واستمرت في حمل هذه المسؤولية،عندما شكل الرئيس الكفؤ مضر بدران حكومته الثانية بعد وفاة المرحوم الشريف عبد الحميد.

واكبت تلك الفترة التأسيسية التي مثلت تأسيس توجه تنموي ونهضوي بديل لجهود الرعاية الاجتماعية،قادته الوزيرة انعام المفتي، وذلك بعد أن اختارتني عميدا لكلية الخدمة الاجتماعية التي اوكلت اليها مهمة اعداد الكوادر المهنية المتخصصة بالعمل الاجتماعي والحاق العاملين غير المتخصصين تعليميا بهذا المجال، اضافة لتقديم المشورة في اطار الخطة الوطنية للتنمية الاجتماعية. كما سبق ان عينت المرحوم محمد علي وردم المخطط التربوي والقيادي النزيه أمينا عاما لوزارة التنمية الاجتماعية، قادما من باريس بعد أن أبلى بلاء حسنا في خدمة القضايا التربوية والثقافية الأردنية والعربية والعالم الثالث لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم.

وتقديرا لهذا الدور التأسيسي لأول وزيرة للتنمية الاجتماعية المتجددة، وللاستفاده من خبراتها في التنمية المستدامة، اختارتها جلالة الملكة نور الحسين مستشارة، في حين واصل فيها المرحوم عبد السلام كنعان نهج الوزيرة السابقة في قطاع التنمية الاجتماعية ووفقا لتطلعات حكومة السيد أحمد عبيدات. وقد صاحب ذلك تعيين تلك السيدة الخبيرة المتابعة مديرة لمؤسسة نور الحسين، ولتعمل على تأسيسها بما يواكب التطلعات العالمية للنهوض بالمجتمعات المحلية الفقيرة والساعية للأكتفاء الاقتصادي بالجهود الذاتية، فما لبثت مجتمعات نائية ومناطق متأخرة أن شهدت نقلة نوعية وسعيا حثيثا للوصول الى الأفضل من أساليب العيش الكريم وشروط الحياة الأفضل.

ومكافأة لهذه السيدة الفاضلة بعد ان قطعت هذه المسافة الانتاجية بسرعة واتقان، وقد آن لها أن تستريح من السير الحثيث والانشغال الموصول، أن حظيت بالثقة الملكية السامية لتكون في المجلس الوطني الاستشاري، ثم في مجلس الأعيان الموقر، عندما ظلت تقدم الأفكار وتضع المشورة في سبيل الرقي بأحوال المواطن الساعي واسعاد الأسرة الأردنية المكافحة، بكل وضوح وجدوى وفاعلية.

غابت انعام المفتي عن المشهد الوطني العام في سنواتها الأخيرة، ولا زمت بيتها بعد رحيل قرينها المرحوم عدنان المفتي الناشط في مجال النقل والسياحة، والذي ترك بصمات كبيرة جلية واضحة في جنبات هذا القطاع الحساس والمغذي للدخل الوطني والمقوي للعلاقات الأردنية العربية والعالمية. وكان عزاؤها الوحيد هو سماع ردود ايجابية عن مسيرة التنمية البشرية الوطنية، من الذي كانوا يزورونها للاطمئنان على صحتها والسؤال عن أحوالها، الى أن انتقلت الروح الى بارئها، ونحن ندعو لها بالرحمه ونسأل الله المغفرة.