حين يتم اغتيال فرد ما، فالأسلوب واضح.. وهو طلقة في الصدر أو الرأس، أو طعنة ربما .. وهناك سبب وهنالك قاتل وهنالك ضحية... لكن ما هو أخطر من اغتيال الفرد، اغتيال العقل.

كيف يتم اغتيال عقولنا كل يوم ؟ ..حين تنهض في الصباح وتفتح المذياع، وتكتشف أن كل البرامج واحدة، وأن شعبا ينثر شكواه عبرها، وأن القضايا واحدة : نقص إبر الأنسولين، مطبات أمانة عمان، حافلات الجامعة الهاشمية ...مناشدات لوزارة التنمية.. وغيرها.

تغلق مذياعك، وتفتح هاتفك على المواقع الإخبارية، نفس الخير يتكرر فيها كلها ... وفي الصدارة دائما خبر عن شاب وجد مشنوقا على شجرة، أو والد قتل ابنته ..أو أم حرقت نفسها ..يغتالونك في الإذاعات، ثم يغتالون عقلك في المواقع ..

تمشي بسيارتك، وتنظر يمينك ..تجد سيدة في مقتبل العمر ..تستغل وقت توقف السير والضوء الأحمر ..في الإشارة، وتخرج قلم (حومرة) وتعيد وضعها على الشفاه ..ثم تتفقد الكحل ومستلزمات الجمال، وأنت تراقبها ..وتسأل هل هي ذاهبة للعمل أم لحفلة زواح ؟..لا تعرف ولكنك في ذات السياق تسأل كم سحبة حومرة ...تمر على الشفاه في الصباح وكم تكلفة السحبة الواحدة والعطر وأحمر الشفاه ..ولا تجد إجابات، تفتح الإشارة وتمضي في طريقك ...وتعيد السؤال هل من الممكن انتاج مساحيق تجميل للعقل، بنفس حجم ما ننتج للوجه ؟

تمر من شارع وادي صقرة، أنت في سيارة صغيرة ..والذي بجانبك يركب (لاند كروزر) ..والذي خلفك أيضا (لاند كروزر) والذي أمامك يركب نفس النوع، وأنت تعرف أن ثمن هذه السيارة باهضاً جدا، وتكلفة صيانتها باهظة أيضا، وتسأل هل يوجد فقر لدينا ؟ ...وتسأل أيضا من أين أحضروا هذا المال كله ..ثم تحك رأسك وتقول في داخلك، هل أنا حقا في شوارع عمان أم شوارع دبي ؟

لكنك تمضي ..كل اللوحات المنصوبة على الشارع، هي دعايات لسيارات (الجاكوار والرينج روفر)، وهناك إعلان عن تملك فيلا مستقلة على طريق المطار، وتداهمك ..لوحة إعلانية أخرى عن جائزة شهرية مقدارها (250) ألف من أحد البنوك وتسأل نفسك هل هذه دعايات أم وسائل استفزاز؟ ثم تكمل وتشاهد إعلاناً أخراً عن مستحضر نسائي ....وتتمنى لو أنك تصادف إعلاناً مثلاً : عن ندوة أو أمسية شعرية، أو معرض للكتاب ...أو جائزة عبارة عن منحة دراسية إلى بريطانيا، أو وجه سيدة بدوية يذكرك بالرضى والحب.

نحن لا نحتاج لبناء مدارس ولا لبناء شقق جديدة، لا مستشفيات ولا حتى جامعات ...نحتاج لوطن يعيد بناء العقل، فقد استهلكنا كل شي ..وظننا في لحظة أنه مثل السلعة من الممكن استهلاكه ....نحن أحوج ما نكون لبناء العقل، يكفينا هدما لعقولنا.

Hadi.ejjbed@hotmail.com