أبواب – وليد سليمان

عبد المنعم ابو طوق، هو من أحد رُوَّاد الحركة الرياضية في الاردن.. فقد بدأ نجمه يظهر منذ شبابه المبكر حينما كان يَدرس طالباً في مدرسة رغدان الثانوية في عمان, ثم حينما سافرالى مصر لتقديم التوجيهي هناك.. حيث اشترك في القاهرة ببطولة المنطقة الوسطى للمدارس الثانوية لبناء الاجسام, وحصل على المركز الثالث في فئته!! لأن القائمين على البطولة عرفوا انه ليس مصرياً, وهم يريدون الاول والثاني ان يشتركا ببطولة الجمهورية للمدارس الثانوية فيما بعد, وكان ذلك في نهاية خمسينيات القرن الماضي. وكانت البطولات آنذاك حسب الاطوال وليس الاوزان.

مندوب صحفي عام 1962

وفي لقاء (أبواب – الرأي) مع أبي طوق حدثنا عن بعض المفاصل من تجربته ومسيرته الرياضية والصحفية منذ كان شاباَ حيث قال:

وبعد عودتي الى الوطن وفي العام 1962أصبحت مراسلاً ومندوباً صحفياً شاملاً لكل الأخبار من عمان الى القدس لجريدة فلسطين التي كان يرأسها الصحفي المعروف ونقيب الصحفيين الاردنيين قديماً «رجا العيسى».

ومن تلك المواقف الصحفية التي مر بها ابو طوق آنذاك قديماً قال: ذات يوم دخلت الى وزارة الداخلية ولم أجد أياً من الموظفين فقد غادروها مع اقتراب نهاية الدوام, فاقتربت من أحد المكاتب وشاهدت ورقة بخط اليد مكتوب فيها «مشروع تنقلات المحافظين» فأخذت معلومات الورقة وخرجت وذهبت الى مكتب جريدة فلسطين في شارع فيصل في عمان وكان مديره شمس الدين الخطيب, وأخبرته بخبر التنقلات! فقال لي: سأوصلك بالتلفون مع رئيس التحرير الذي بدوره قال لي: أملي الخبر للصحفي ابراهيم سكجها, وبعد ذلك تحدث معي رجا العيسى قائلاً: غداً سيلقي الأمن القبض عليك!! ولكن قُل لهم ان هذا الخبر جاء به رجا العيسى ولست أنت! وسأكون غداً في عمان بمكتب وزير الداخلية الساعة 9 صباحاً.

وفي اليوم التالي جاءت الجريدة اليومية فلسطين من القدس الى عمان والخبر منشور على ثمانية أعمدة حول»مشروع تنقلات الحكام الاداريين - المحافظين- في المملكة, وكان عددهم خمسة او سبعة.

وبالفعل تم إلقاء القبض عليَّ وأنا في مشوار صحفي بوزارة الخارجية التي كان مقرها في جبل عمان مقابل مدارس الكلية العلمية الاسلامية.

وهناك في مكتب وزير الداخلية كان رجا العيسى جالساَ, فسألني الوزير: من اين أتيت بالخبر؟! وهنا تدخَّل رجا العيسى وقال: يا معالي الوزير مصدر الخبر مني وليس من «ابو طوق».

فخرجنا معاً أنا والعيسى وذهبنا الى مكتب الجريدة في عمان.. وسأل العيسى الخطيب: كم هي مكافأة «ابو طوق الشهرية؟ فقال له: 5ر12 دينار. فقال:اجعلها 25 ديناراً,ثم وضع بجيبي مبلغ 50 ديناراً مكافأة لي.

ابو طوق مُدرساً

ويسرد علينا الرياضي والحكم الدولي بلعبة كرة الطائرة وألعاب القوى ابو طوق بعض سيرته مع مهنة تدريس الرياضة في مدارس الاردن وسلطنة عُمان قائلاً:

ذات يومٍ في منتصف الستينيات ذهبت الى مكتب وكيل وزارة التربية والتعليم» محمد نوري شفيق, لأحضر أخباراً من عنده للجريدة, فقال لي: أراك مُرهقاً وشكلك تعبان!! فما رأيك ان تتوظف في الوزارة مدرساً للرياضة في مدارسنا؟! فوافقت شريطة ان أتوظف في عمان.

وكان الرياضي المعروف «ممدوح خورما» مُفتشاً للتربية الرياضية في الوزارة فقال لي: اذهب من الغد الى مدرسة الاشرفية كمعلمٍ للرياضة, وهناك مكثت «11» سنة.

غضب ثم صداقة!

وفي العام 1973سافرت الى سلطنة عُمان كمدرس مُعارٍ لمدة 4 سنوات لكنني مكثت هناك لمدة سنتين فقط.

ومن المواقف التي حصلت مع أبي طوق في عُمان قال:

هناك توظفت في مدرسة اسمها» العرب سلطان» وكان فيها 24 مدرساً مصرياً و2 من الأردن هما محمد الزعبي، ومنير هديب.

وفي اليوم الثاني من دوامي في المدرسة جاء المدير المصري وقدمني كمعلمٍ للتربية الرياضية, ثم تحدثت بالميكريفون شاكراً وقائلاً: ما أريده منكم أيها الطلاب الأعزاء هو شُرط قصير وحذاء رياضي منذ الغد.

وكانت هذه المدرسة في ولاية «بهلة « تدرس الطلاب للصف الرابع الابتدائي, وقد افتتحت في عهد السلطان قابوس, فكنت تجد ابن الصف الرابع بعمرٍ قد يتراوح ما بين 17- 18 سنة.

وانتظرت الطلاب لمدة يومين أو ثلاثة ان يحضروا جميعهم معهم الملابس الرياضة للبدء بتدريس الحصص الرياضية.. لكن بعضهم القليل لم يستجب لطلبي! فقمت وأنبتهم بعصا بضربات خفيفة! فإذا بطالب يقول لي: إياك ان تقترب مني!!! - وكنت أيامها أختزن شيئاً من العضلات والقوة فقمت بضربه عدة ضربات بيدي!! الى ان سمعت صوت المدير هارعاً يقول لي: كفى.. كفى.. يا ويلك يا ويلك..هذا ابن الوالي!!!.

وانتشر الخبر في كل الولاية في نفس اليوم ؛ «ابو طوق» ذبح الولد.. حتى أصحاب الدكاكين عندما مررت من جانبهم كانوا يشيرون ويتهامسون: هذا هو المعلم الذي ضرب ابن الوالي.

وفي اليوم التالي صباحاً كانت المفاجأة ان فتح أذنة المدرسة البوابة الواسعة للمدرسة ودخلت منها سيارة كبيرة, وإذا بالوالي نفسه يترجل من السيارة ويستقبله المديرفي ساحة المدرسة مرحباً به للدخول الى إدارة المدرسة.. وكان الوالي يرفض الدخول وهو يصرخ مهدداً: بدي شوف الأردني الذي ذبح- ضرب- ابني!!.

وبعد صمت خيَّم على الجميع في طابور الصباح... قلت: يا سعادة الوالي أنا الذي ذبح ابنك!!.

وكانت المفاجأة!!! فما كان من الوالي إلَّا ان أخذني بالحضن وقبلني وقال أنت جئت إلينا من بلد الملك حسين, ولا يوجد ثأر بينك وبين ابني!!.

وقبل مغادرته إدارة المدرسة قال لي: أنت والأردنيان مدعوون عندي في الحصن – القلعة - على الغداء غداً.

وفي يوم الغداء إذ بوجهاء ولاية بهلة باستقبالنا.. ثم استأذنهم الوالي واصطحبني لوحدي في جولة على أرجاء الحصن!!!.

استغربت من ذلك.. وأخذنا نتحدث في أمور عدة, حتى وقف عند جرة ماء ضخمة, وسألني فجأة: هل تدخن؟! فترددت في الاجابة.. ولكنني قلت: نعم أدخن.. فكشف عن الجرة فإذا بها كروزات من دخان المالبورو وأخرج كروزين وقال: لك مني كل اسبوع مثلهما.

ورجعنا الى المدعوين وكان غداءً خيالياً, ونادى على ابنه المذبوح! وقال له: أوصل الأستاذ الى مكان سكنه وخُذ له الدخان.

أول دار لبناء الأجسام في الأردن

وعودة إلى تاريخ الذكريات في عمان قال ابو طوق : قمت في العام 1964 بتأسيس اول دار او مركز لبناء الاجسام في الاردن تحت اسم « دار الكمال الجسماني « في شارع الملك الحسين قرب المحكمة (نفق الحدادة الآن) في عمان.. وذلك اقتداءً بنادي الصحة والقوة اللبناني الذي يرأسه صاحبه مليح عليوان, وقمت بمراسلة المجلة الصادرة عن هذا النادي مجلة (نجوم الرياضة) وطلب مني علوان في ذلك الوقت ان اكون مندوبا دائما لهذه المجلة الرياضية من الاردن، وكانت تصدر نصف شهرية واحيانا شهرية.

ويوضح عبد المنعم ابو طوق: وهذه المجلة (نجوم الرياضة) لا يوجد لها اي مثيل في العالم العربي بتخصصها بكمال وقوة الاجسام، سوى في بعض الدول الاجنبية مثل مجلس «فلكس» الاميركية والتي كان أصدرها (د. بن ويذر) مؤسس رياضة بناء الاجسام في العالم، وكان رئيسا للاتحاد الدولي لكمال الاجسام منذ تأسيسه عام 1970 حتى توفي عام 2008، وقد زار الاردن قديما نحو(3) مرات، الاولى كانت عام 1993 بينما كنت رئيسا للاتحاد الاردني لبناء الاجسام.

وعن بناء الاجسام يقول ابو طوق : كان الناس في السابق يعتقدون بأنها رياضة شخصية.. وفي هذه الايام اصبحت رياضة عائلية.. فمثلا عندنا في الاردن ما يزيد عن «150» مركزا لبناء وكمال الاجسام واللياقة البدنية.. وفي بعضها يتدرب افراد العائلة من الاب والام والاولاد والبنات.. وذلك بسبب تغير وتقدم المفاهيم والثقافة التي يعيشها الناس هذه الايام.

اللويبدة مكان إقامة دائم!

وخلال جلوسنا مع ابي طوق في منزله للإطمئنان على صحته أخذنا الحديث عن حبه لهذا المكان الشهيرفي عمان وهو «حي جبل اللويبدة» الذي يسكن فيه أبو طوق منذ أكثر من 60 عاماً وحتى الآن, حيث أوضح بقوله: هنا في هذا الحي الجميل والهادئ كانت أيام طفولتي وشبابي الرائعة.. فعمان لم استطع الغياب عنها مثلاَ في عُمان سوى سنتين فقط.

فاللويبدة كانت ومازالت تتميز بجمال أشجارها وأزهارها المنزلية, وبتواجد معالم حضارية قديمة منها مثلاً: كلية تراسنطة وكلية ومسجد الشريعة والحاووز ومستشفى لوزميلا وروابط وجمعيات ونوادي الفنون والادب والرياضة والثقافة والسفارات الاجنبية.

وفي اللويبدة تكونت لدي صداقات أعتز بها,وممن أذكرهم في هذه اللحظة من أصدقاء جبل اللويبدة:مروان ابوعزام وأبناء خير والاشقاء زياد واحمد ومحمد الدباس الذي أصبح وزيراً للمالية قديماً,ومن أصدقاء الطفولة يحيى الجلخ رجل الاعمال، ومحمد عوض المدرب الكروي المعروف وكنت أشاهده يومياً في الفترة الاخيرة قبل رحيله رحمه الله.

ومن العائلات التي سكنت جبل اللويبدة ومازال بعضها في مكانه حتى الآن؛ آل مهيار,التلهوني, الرزاز, طاش, الدباس, الرفاعي, خير, ابو الراغب, اليوسف, المفتي, المعاني, البكري, ابو حسان, الشيباني, شاهين, الشلة, الصلاج, ابو طوق, العلاف, كوكش, الطاهرو الخشمن, أبناء زينب المختار, البيطار...الخ.

أول مبارة اعتزال!

وكان عبد المنعم ابوطوق اول حكم تُقام له مباراة اعتزال بكرة الطائرة في قصر الرياضة في العام 1993,حيث كان اللواء سلمان المعايطة آنذاك رئيساً للاتحاد الرياضي في الاردن.