ستتعرض أمتنا للنهش من الدول الطامعة إن لم تبدأ بالإصلاح

مواكب الشهداء في فلسطين يومية، والشعوب العربية انتفضت لانتهاك كرامتها

البيئة موائمة الآن للإصلاح داخليا من خلال رؤية الملك عبدالله الثاني

الأحزاب تعاني من ضعف الإقبال فبرامجها لا تعالج هموم المواطنين

ما زال أحد أفراد عائلتي يفتح كنيسة القيامة في الصباح الباكر ويغلقها مساء

حسمتُ موضوع الاعتراف باللغة العربية بين اللغات الرسمية لمجلس الأمن عندما تسلمتُ الرئاسة

منطقتنا العربية أعطت للعالم أغلى ما يملك، الحروف الأبجدية، ولغة القرآن الكريم

سقطت القدس بسبب سوء تقديرنا وعشوائيتنا

حتى اليوم ما يزال أحد أبناء عائلة نسيبة المقدسية العريقة، يفتح في الصباح الباكر باب كنيسة القيامة، ويغلقها مساء.... صلاح الدين الأيوبي كان قد أعاد مفاتيح المسجد الأقصى وكنيسة القيامة إلى آل نسيبة بعد تحريره القدس. وبموجب مرسوم عثماني، لاحقاً، أصبحت عائلة جودة تحتفظ بتلك المفاتيح، لكن آل نسيبة يفتحونها ويغلقونها.

مثل هذه الروح التي تضرب عميقاً في الوجدان التاريخي، لعلها هي التي تجعل الدكتور حازم نسيبة يتكيء بثقة على نواميس التاريخ في إيمانه القطعي بأن كل ما يحصل الآن من افتئات على المقدسات، وتحت مختلف المسميات، هوعرض زائل لن يصمد.

صفقة القرن يراها الدبلوماسي الأردني العريق، مجرد بالونات لأن القدس عربية إسلامية ،وهذا مآلها النهائي حتى إذا جرى تطبيق القانون الدولي الذي أعطى للقدس صفة التدويل.

الدكتور نسيبة بدأ حياته العملية عام 1946، بمهنة كبير مساعدي البرامج الاخبارية في الإذاعة الفلسطينية، اختاره وصفي التل وزيراً للخارجية عام 1962، حينها أمضى أسبوعاً في بيته معتكفاً يعد خطة عمل لدفع القضية الفلسطينية مجدداً في الأمم المتحدة بعد أن تراجعت تحت وطأة الحروب والاضطرابات التي عمت المنطقة.

تشابه الحال آنذاك مع الحال الراهن بخصوص المسألة الفلسطينية والقضايا القومية، لا يراه أبو هيثم من زاوية أن التاريخ يعيد نفسه.

جاء وقت، عام 1982، أصبح فيه د. نسيبة رئيساً دورياً لمجلس الأمن، ونجح أيامها بأن جعل اللغة العربية واحدة من بين اللغات الرسمية للمجلس. كذلك عندما كان وزيراً للإنشاء والتعمير في الحكومة الأردنية أصرّ على رئاسة «الأونروا» بأن يجري تسجيل أطفال اللاجئين كلاجئين أيضاً، فكانت خطوة قومية كبيرة متقدمة، وها هم يحاولون الآن في إدراة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع اليهود بأن يعكسوها ويقلصوا عدد اللاجئين مستحقي العودة ، من الملايين، إلى مئات الألوف.

د. نسيبة الذي ينعم وقد تجاوز التسعينات، بذاكرة مشتعلة، ينعم أيضاً بروح معنوية عالية مشحونة برؤية متصلة للتاريخ فيها الكثير مما يستحق السماع والمشاركة.

الشعوب العربية والإسلامية تتطلع أن يصبح لها قيمة ليس فقط في محيطها الاقليمي بل في العالم كله.. قيمتنا للأسف انخفضت كثيراً في الآونة الأخيرة، فكيف يمكن أن نقبل بأن «دويلة» مثل إسرائيل عدد سكانها خمسة ملايين تكون أكثر وزناً في العالم من 400 مليون عربي، والصمت يخيم عليها؟

أبدا... شعوبنا تنتفض وزمن الصمت رحل. ففي فلسطين كما هم الآن مواكب الشهداء يومية رغم كل مواجهات العدو وما تقوم به إسرائيل من انتهاكات للشعب وللأرض وللمقدسات متحدين بروحهم وكل ما يملكون على مواجهة العدو والقضاء عليه مهما طال بهم الزمن.. الانتفاضات في أغلب الدول العربية معبرة عن الظلم والاضطهاد. هو شعور أبناء الأمة العربية بأن كرامتهم انتهكت و يريدون إعادة أنفسهم وأمتهم إلى المركز الذي يليق بأمة عريقة.

بمجرد ان خرجت أول شرارة في تونس كان لها ردة فعل مباشر دلالة على وحدة ضمير الأمة العربية ورفض الظلم بكل أشكاله.. أمام أمتنا تحديات كبيرة جدا وان لم نبدأ بالاصلاح الحقيقي وليس بالشعارات والهتافات، سنتعرض للنهش من الدول الطامعة بأوطاننا وهذا ما نحن عليه اليوم.

كيف نستطيع أن نجعل الأحزاب قادرة على تشكيل الحكومات.. ولماذا ما تزال غالبيتها جزءاً من الحكومات؟

بالنسبة للقسم الأول من السؤال، المفروض ان تكون لدينا مجموعات من قادة الفكر والمهتمين بالسياسة والعمل العام، بأن يضعوا برامج ويدعوا الناس لتأييدها كما هو في كل أنحاء العالم.

لسوء الحظ في مطلع الخمسينيات والستينيات كان لدينا ديمقراطية كاملة شاملة وفيها أحزاب لتحقيق ما نتطلع إليه الآن. ولكن ما حصل أننا كجزء من الأمة العربية كان هناك خلط دائم بين ما هو وطني وما هو قومي، وبالتالي نشأت أحزاب عابرة الحدود،. تلك الأحزاب كانت من مناظير القومية العربية أو القومية الإسلامية وكانت تعتبر في نظر الدولة تجاوزا لما يجب أن تكون كانت هناك تجربة مريرة للعمل الحزبي في تلك الأيام واضطهد قسم كبير من الحزبيين.

ما زالت لدينا رواسب التخوف من العمل الحزبي، علما أن الأمور تغيرت إلى حد ما، فأصبح هناك انفتاح تجاه تأليف الأحزاب على الأسس التي يرغب بها المواطنون سواء أكانت قومية أو وطنية أو إسلامية أو ليبرالية.

الأحزاب تتشكل وتتألف كي تتحمل المسؤولية وتصبح هي الحكومة وتكون المعارضة حزبا أو أحزابا ائتلافية مهمتها خدمة المصلحة العامة، لكن للأسف أننا لم نفهم ولم نستوعب بعد ماهية الأحزاب فأصبح لدينا منها العديد، وهي تعاني الآن من ضعف الإقبال عليها والعزوف عن الانخراط بها أو الانتساب إليها.. برامجها ضعيفة لا تعالج الأساسيات المهمة للمواطنين إضافة إلى اعتمادها على النفوذ العائلي والعشائري والإقليمي.

الملك عبد الله يتطلع للتغيير في مأسسة الأحزاب السياسية وفق رؤى وبرامج وطنية بمفهومها الذي يخدم الوطن ويساهم في عمل التغيير والتحديث ويؤطر للإصلاح السياسي الذي يتوائم مع متطلبات الدولة الحديثة من خلال تحفيز دور الشباب. البيئة الآن موائمة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتي يتبناها الملك عبد الله من خلال خريطة طريق ومنظومة إصلاحية شمولية متكاملة.

دور الشباب في الحياة الحزبية دور محوري وأساسي للمرحلة القادمة ونحتاج لتوفير البيئة السياسية الملائمة لهذا الدور، خصوصا ان المواطنة الصالحة والديمقراطية عمليتان متواصلتان ومتجددتان لكن الواقع أن محدودية وضعف مشاركة الشباب في الحياة الحزبية ناتج عن ضعف الثقافة المدنية وغياب مفهوم المجتمع المدني لديهم.

د. حازم نسيبة أحد أبرز الدبلوماسيين الأردنيين في النصف الثاني من القرن العشرين، ويمكن اعتبار السنوات الست التي قضيتها مندوبا للأردن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن من عام 1976 حتى1982 من أكثر سنوات حياتك غنى وحراكا، وربما انجازا، ترأست اجتماع الهيئة العامة للأمم المتحدة، وبالإمكان تقدير حجم سعادتك الشخصية عندما تم الإعتراف باللغة العربية لغة رسمية معتمدة في المنظمة الدولية، وهو ما طالب به دبلوماسون أردنيون قبلك:

قبل الإجابة على السؤال لا بد ان أقول انه قبل إدخال الترجمة الفورية المباشرة في مجلس الأمن، كان إلقاء خطاب كل مندوب يتم باللغات الرسمية الخمس: الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والصينية. الخطاب ذاته كان يتلى بهذه اللغات الخمس مما يشعر المندوبين بالملل فيغادرون قاعة المجلس ريثما يتم إلقاء تلك الكلمات.

مسألة الاعتراف باللغة العربية كاحدى اللغات الرسمية في مجلس الأمن أثيرت مرات عدة منذ قيام الأمم المتحدة نفسها، وكان طلب الاعتراف باللغة العربية يحبط على أسس فنية وغير فنية، مثل توفير غرف معلقة إضافية لاستخدام المترجمين الفوريين وغير ذلك.

عندما أصبحت رئيسا دوريّا لمجلس الأمن، في تشرين الأول من عام 1982، ولأنني كنت أحتفظ بأحسن العلاقات مع أعضاء المجلس الآخرين، قررت أن الوقت حان لحسم موضوع الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية من لغات مجلس الأمن. دعوت أعضاء المجلس إلى جلسة مشاورات غير رسمية وحصلت خلالها على موافقتهم الاجماعية. وقد انتقل المجلس إلى القاعة العامة الرسمية، حيث أقر مشروع القرار الذي كنت قد أعددته بالاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في مجلس الأمن.

أشكر الله دوما وأنا أشعر بالاعتزاز أن وفر الله للأردن بتحقيق هذا المطلب الذي طالما سعت إلى تحقيقه الوفود العربية المتعاقبة. العالمان، العربي وبعده الإسلامي يشكلان منطقة حضارية طالما ساهمت في تقدم البشرية عبر العصور, ويجب أن نذكر ولا ننسى أو نتجنب أبدا أن منطقتنا العربية هي التي أعطت للعالم أغلى ما يملك، الحروف الأبجدية، ولغة القرآن الكريم: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).

أيضا كما كان صوتي عاليا في الدفاع عن القضايا العربية بشكل عام، وأكثر علوا في الدفاع عن القضية الفلسطينية القضية الأم.. القضية المركزية المستعصية، والأكثر إيلاما في جدول أعمال الأمم المتحدة. بل إن ولادة هذه القضية المأساوية، تزامنت مع ولادة الأمم المتحدة نفسها عام عام 1947، ومنذ عام 1954 وحتى يومنا هذا، وجد جيل بعد جيل بعد جيل من قادة العالم وسياسييه ودبلوماسييه، أنفسهم منغمسن في معالجة هذه القضية وتداعيتها، وسنبقى حتى تعود لأهلها وأصحابها، فالأجيال تنشأ ولا تموت والأمل بالله وبهم أوسع وأقوى من كل شيء.

ويمكنني استذكار ما فعلناه في إقرار العديد من قرارات الأمم المتحدة ومن بينها قرار اعتبار الحركة الصهيونية حركة عنصرية، الذي عادت الأمم المتحدة وتراجعت عنه بعد عشرين عاما.

إنني فخور عندما عرض مشروع قرار في أواخر السبعينات على الجمعية العامة لانشاء مركز المفوض العالي لشؤون حقوق الإنسان، وقررت المجموعة العربية في حينه التصويت ضد القرار، على أساس أنه يمكن استخدامه للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، خالفت اجتهاد المجموعة العربية وأدليت بصوت الأردن مؤيدا لإنشاء ذلك المنصب... لقد استوحيت موقف حكومتي من اعتبارات أخلاقية عليا، واهتمام بحياة الإنسان وكرامته، حتى وان أدى ذلك إلى تدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية، وغير الدول العربية، وبالأخص إسرائيل ومخالفاتها الفاضحة لأبسط حقوق الإنسان.

كان موقفي ينبعث من الادراك بأنه لا يوجد في هذا الميدان ما نخفيه، وان ارتكبنا مخالفات فلنصلح اعوجاجها سواء بالاجتهاد أو بمساعدة المفوضية العامة لحقوق الإنسان.

عندما توليت منصبك السياسي وزيرا للخارجية عام 1962 في حكومة وصفي التل ترددت وقلت له: «ان المناصب والشهرة وتوابعهما لا تعنيني شيئا» وطلبت منه تمضية أسبوع في منزلك... هل كنت رافضا للمنصب أم رغبت بالتفكير لبلورة الأمور التي عليك القيام بها؟

لقد قبلت المنصب علما كما في سؤالك أخبرته ان المناصب لا تعني لي شيئا، لكن إذا كان الأمر يستدعي تقديم عمل للقضية الفلسطينية فأنا جاهز ودون تردد.

صحيح.. لقد أمضيت أسبوعا في منزلي لبلورة وإعداد تصور وخطة عمل لدفع القضية إلى الأمام، بعد تراجعها تحت وطأة الحروب والاضطرابات التي عمت المنطقة، والتي لم يكن أقلها الحرب الأهلية اليمنية بين الملكيين والجمهوريين، ووراءهما العربية السعودية من جهة وجمهورية مصر من جهة أخرى.

لقد عكفت على وضع دراسة في 37 صفحة تضمنت مواقف الأردن تجاه قضايا رئيسية أهمها القضية الفلسطينية التي مضى عليها الصمت والتقاعس باستثناء ما يكتب في صفحات الجرائد، وأيضا العلاقات العربية العربية والصراعات الفكرية والخلافات العميقة على الساحة العربية. وقد تمت بلورة مواقف الأردن من تلك القضايا بعد تعديلات أدخل على بعض جوانب الدراسة التي قمت بها وبخاصة الاطار السياسي المقترح لفلسطين، وقد ساهم في ذلك الرئيس وصفي التل وأكرم زعيتر والشريف عبد الحميد شرف ونالت موافقة الملك الحسين.

* هذه القدس التي نحب، سقطت في عام 1967 بيد العدو بين عشية وضحاها بكل قدسيتها وتاريخها وأمجادها... بتقديرك كيف تم ذلك؟

كان ذلك بسبب سوء تقديرنا لمطامع العدو فيها، واندفاعاتنا العاطفية العشوائية غير المدروسة التي ساهمت في تمكين إسرائيل من تنفيذ مخططاته.. ضاعت القدس وسائر ما تبقى من فلسطين، بسبب إغلاق مضائق تيران، التي كانت لا تكاد تمر فيها أكثر من بضع سفن إسرائيلية في العام كله، لكن العدو كان مصمما ومخططا لاحتلال القدس، وتم له ذلك.

ما أريد فهمه: كيف يمكننا ان نفسر ما جرى عندما ندرك أننا دخلنا الحرب في الساعة العاشرة صباحا بينما كانت الحرب قد حسمت قبل ساعتين بتدمير سلاح الجو المصري في قواعده على الأرض؟..

لقد سببت هذه الكارثة لشعبنا وامتنا جرحا عميقا لا يندمل، وأذكر أنني في مناسبة جمعتي مع الملك الحسين سألت جلالته: لماذا لم يبلغنا الملحق العسكري الأردني في القاهرة بما حدث؟ صمت جلالته برهة وأجاب مذهولا: أتوقع ان يخبرنا الملحق العسكري بما حدث، بينما الرجل الكبير نفسه، ويعني ( عبد المنعم رياض) الذي كان بيننا يقود القوّات المسلحة على الجبهة الأردنية لم يكن يعرف!.

وما زال في ذاكرتي كلمات حسين الشافعي عندما التقيته وكنت حينها سفيرا لدى القاهرة عام 1969، قال لي: كيف انه كان أول من أبلغ الرئيس عبد الناصر بما جرى نحو الساعة الثانية بعد الظهر. وأضاف أنه قال له وهو يبلغه بما حدث: «لا تأس على ما فات ولا تفرح بما هو آت، فكل ما هو آت آت».

استراحة

انتماؤك لعائلة مقدسية عريقة، مازال أبناؤها يحتفظون بمفتاح كنيسة القيامة عندما أوكل إلى عائلتك بمفاتيحها لضمان عدم التعرض لها من قبل الأجيال المتعاقبة التي قد تجهل العهدة العمرية التاريخية.. هل ما زالت المفاتيح في حوزتكم؟

نعم.. ما زال أحد أفراد العائلة يفتح كنيسة القيامة في الصباح الباكر ويغلقها مساء، ويتسلم المفاتيح من أحد أبناء عائلة جودة التي أصبحت تحتفظ لديها بالمفاتيح بموجب مرسوم عثماني حسب سجلات مذكورة في المحاكم الشرعية في القدس.

لقد أعاد صلاح الدين الأيوبي تلك المفاتيح إلى آل نسيبة بعد تحرير القدس واستعادته لها من الغزاة الأوروبيين الذين كانت في حوزتهم، مثلما كان الحرم القدسي الشريف نفسه بيدهم، وقد حولوا المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة إلى كنائس، بل انهم استخدموا أسفل المسجد الأقصى في الموقع الذي يقوم عليه المسجد المرواني حاليا إلى اسطبل لخيولهم.

ما أريد اضافته أنه لم يقتصر فقط دور العائلة على فتح كنيسة القيامة واغلاقها يوميا، بل اشتمل أيضا وفي فترات طويلة من الحكم الإسلامي على حل الخلافات المستعصية بين مختلف الطوائف المسيحية فيما يتعلق بحقوق كل منها في مساحات الكنيسة ومواقعها وأوقات استعمالها.