وليد سليمان

«صويلح» هي إحدى مناطق أمانة عمان الكبرى التي تشكل لواء الجامعة التابع لمحافظة العاصمة في الاردن , و تقع في الجزء الشمالي الغربي للعاصمة عمّان .

وتعتبر صويلح من أقدم مناطق المدينة، وهي مشهورة بينابيع المياه , وكان أول من سكنها وأسسها هم الشيشان عام 1905م .

عمق تأثير التدين

ولكن عندما وصل الشيشان أول مرة إلى الأردن استقروا في نهاية الخط الحجازي في الزرقاء، ولكن عندما انتقلت مجموعات منهم الى صويلح أنشأوا مدينة صويلح , وبعدها بأعوام كان أول بناءٍ شيدوه فيها هو مسجد صويلح الكبير - مسجد الشيشان – مما يكشف عن عمق تأثير التدين لدى تلك العشائر الشيشانية، خصوصاً وأن هجرتها إلى الأردن كانت بدافع النجاة بدينهم الاسلامي من أخطار الحروب بينهم وبين الروس والحروب في تلك المنطقة من جبال القوقاز .

وجاء في المرجع المهم في قاموس القرى الاردنية للباحث مفلح العدوان : ان المتجه من عمان نحو الشمال الغربي، سوف يمر بقرية صويلح وهو وهو ذاهب الى جرش، وقرى ومدن الشمال من الأردن.

وكذلك الحال إذا كان المرتحل يريد الذهاب الى السلط والفحيص والأماكن في تلك الجهات الغربية، حيث المسافة بين عمان وصويلح يمكن تقديرها تجاوزا بـ13كم، فهي جزء من عمان، أو ضاحية من ضواحيها، وفيها مسجدان يشكلان جانبا من ذاكرة صويلح العتيقة، وهما : مسجد - الشيشان أي مسجد صويلح الكبير، ومسجد الشركس، وتاريخ بنائهما مرتبط بذاكرة تشكل القرية منذ عشرات السنين، ذلك أنه من العادات الإسلامية التي تمسك بها الشيشان والشركس .

عند إقامتهم في أي مكان يكون الجامع أول بناء يقيمونه في الموقع الذي يريدون الاستيطان فيه، حيث يبنون الجامع في وسط البلدة، وهذا ما كان مع الشيشان الذي بنوا جامع صويلح الكبير، الذي يقع وسط سوق صويلح الآن.

ووفق ما كانت عليه جغرافية صويلح في الفترة التي بُني فيها مسجد الشيشان، في بدايات القرن الماضي، فقد كان موقعه قرب عين الماء الكبيرة، في منتصف القرية، إلى الجهة الشمالية، وقد اختفت عين الماء في هذه في الفترة الحالية.

من الخشب والطين !

وقد كان بناء الجامع في أول الأمر من الخشب، ولم تكن له مئذنة، ثم بنيت مئذنة له عام 1939م، وكان سقف الجامع مكوناً من الخشب والطين.

وتم جمع التبرعات لاستكمال مئذنة الجامع، حيث كان هناك تبرع من احمد حلمي باشا في فلسطين، بقيمة مئة جنيه، لبناء مئذنة جامع الشيشان، الذي تشير الذاكرة المتوارثة عند الكبار الى أن البَنّاء الذي عمّر هذه المئذنة هو الشيخ عمر الهشلمون من الخليل، وقد قام بتثبيت الهلال على المئذنة المرحوم شكري حسين بينو.

ووفق الوثائق، والذاكرة التاريخية، فإن جامع الشيشان القديم أقامه المهاجرون الشيشان في عام 1906م، ولكن في عام 1922م تمت المباشرة ببناء مسجد أكبر على قطعة مجاورة للمسجد القديم.

لذا فقد تم بناء هذا المسجد على مرحلتين، ليكون هو المعروف الآن بمسجد صويلح الكبير. وقد كانت هناك تبرعات جمعت من شخصيات، ومواطنين، لانجاز هذا المشروع. . وقد شيد مئذنته ابو ناصر الجيلاني.

وكان من المتبرعين لبناء الجامع، في تلك الفترة، جلالة المغفور له الملك فيصل الأول، ملك العراق، الذي زار عمان بتاريخ 20/7/1923م، وتبرع بمبلغ 30 جنيهاً للجامع العمري في عمان، و15 جنياً لجامع صويلح.

و كان الإمام أحمد عبد الله إماما رسميا لمسجد الشيشان، وهو أول شيشاني يسافر لدراسة الشريعة الإسلامية في استانبول.

ومن الأئمة الأوائل للمسجد كان : غازي عبد الرحمن، وأحمد عبد الله، وعلي صلاح الدين، ذلك كان من الأئمة في فترة متأخرة لمسجد صويلح الشيخ عبد الحميد قادرو أحمد الشيشاني.

أما مسجد الشركس، فقد أقيم مع قدوم الشركس إلى صويلح في عام 1908م، وكان بناؤه من الحجر والطين، وسقفه من القصيب والطين، وتم تجديد بنائه في عام 1955م، من قبل الشركس، وهو يقع في الجهة الغربية من صويلح، في مكان يشرف على سهول البقعة، وهو أصغر بكثير من جامع الشيشان، ومن أئمته القدماء إبراهيم لينغ .

اعمال خيرية في المسجد

وفي العام الماضي 2017نظم عدد من الشخصيات في منطقة صويلح حملة تبرع بالدم في مسجد الشيشان القديم , شارك بها عدد كبير من المواطنين الذين تبرعوا بالدم ، حيث اسهموا بنجاح الحملة بشكل منقطع النظير.

وقد أتى تنظيم هذه الحملة بحسب المنظمين ايمانا منهم بأهمية ترسيخ دور المسجد في خدمة المجتمع والتفاعل مع ابناء المجتمع الاردني وتقديم كل ما يمكن ان يسهم في انقاذ ارواح الكثير من المرضى في المستشفيات. وهي صورة رائعة من صور التلاحم والتعاضد بين ابناء الوطن الواحد . وقد هدف المنظمون الى توسيع إطار دور المساجد بالاضافة لدورها في توفير مكان العبادة واقامة الصلوات ، الى ما يتجاوز ذلك من قيم العمل والايثار والشعور مع الاخرين .

ووجه المشرفون على الحملة الشكر لبنك الدم الاردني الذي وفر “وحدة بنك الدم المتنقلة” بكل المتطلبات ومن مختصين بسحب الدم وساهموا بانجاح هذه الحملة التي سوف تتبعها حملات اخرى في ظل النجاح الكبير لحملة الترع بالدم. وتعتبر هذه الحملة الاولى من نوعها في المملكه “لمسجد” وهو مسجد الشيشان الكبير في صويلح .

بيوت الشيشان قديماً

وعندم جاء الشيشان الى صويلح كانت بيوتهم الأولى على الطراز الشيشاني، حيث تبنى غرفة واحدة يتصل بها من الأمام “معرّش”، وهو جزء بارز من البناء إلى الأمام، وحين تتوسع العائلة تُبني غرفة أخرى إلى جانبها، وإذا توسعت أكثر وأكثر فإن الغرف المتلاحقة تأخذ شكل الحرف الانجليزي (U) .

من هو صويلح !

وأصل تسمية المدينة إلى عين ماء على طريق عمان السلط القدس، وهي تتصف بكثرة عيون الماء والينابيع فيها. وكان المارة عبر هذه الطريق يستريحون عند عين ماء صويلح، ويملأون الماء للشرب ولسقاية دوابهم. وقد استقر شخص هناك لمدة طويلة، ساكنا بالقرب من هذه العين، وكان اسمه صالح، وكانوا ينادونه بصويلح من باب التحبب والمداعبة، فسميت العين باسمه من قبل المسافرين وهذا اصل التسمية التي صارت تطلق على المنطقة حول عين الماء كلها.

اما تاريخ سكن العائلات فيها، فإنه لا بد من الإشارة إلى أنه قد كانت صويلح ولا تزال نقطة مرور متوسطة إلى جميع أنحاء المملكة وفلسطين، وهي نقطة متوسطة، وكانت مصيفا غزير الينابيع صيفا، يستفيد منها كل من حولها من عشائر البلقاء.

من هم الشيشان !

إنهم مواطنون أردنيون ، سواء كانوا قد وُلدوا أو عاشوا في الأردن. . وقد

هاجر الشيشانيون إلى الأردن من منطقة القوقاز على مراحل ابتداءً من عام 1902، حيث استقروا في بادئ الأمر في الزرقاء، التي قاموا ببنائها، ثم بدأوا بالانتشار في مناطق أردنية أخرى، كان أهمها منطقة صويلح، شمال غرب عمّان، ومدن أخرى كالسلط.

وللشيشان في الأردن جمعياتهم الخيرية ونواديهم الرياضية، وتراثهم وفلكلورهم الشعبي، وما يزالون يحافظون على بعض عاداتهم وتقاليدهم المتوارثة، وفيما عدا ذلك فهم مندمجون بالمجتمع الأردني تمامًا، وملتزمون بمنظومة التقاليد العربية والإسلامية .

وكانت هجرتهم الى الاردن ما بين عامي 1903 و 1911، ويسكن اغلبيتهم في صويلح والزرقاء والسخنة ووادي الزرقاء والازرق.

ولقد عمل الشيشان منذ قدومهم إلى الأردن في الزراعة، إلا أن نسبة العاملين في الزراعة منهم قد تناقصت منذ مطلع الستينيات من القرن الفائت، وأخذ الشيشان ينخطرون في مختلف النشاطات الاقتصادية والصناعية والتجارية والمهنية، وإن كان انتسابهم للوظائف الحكومية والعسكرية أقدمها، ومنهم من وصل إلى أعلى المراتب في سلّم الوظائف الحكومية والعسكرية.

كما ان قانون الانتخاب الاردني جعل لهم مقاعد خاصة لضمان تمثيلهم في المجلس النيايبي التشريعي ، والعديد منهم من اصحاب رؤوس الاموال الذين يساهمون بدعم الاقتصاد الوطني الاردني ، كما انهم اندمجوا على الصعيد الاجتماعي مع تغير بعض العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج ومراسيمه , وهذا ليس عندهم فحسب بل عند عموم سكان المجتمع الاردني .

وتتضح صور الاندماج الاجتماعي الثقافي من خلال تعزيز روابط المصاهرة والنسب مع الاردنيين من أصول أردنية وغيرهم. حيث ان سمة التزاوج والنسب بين ابناء تلك الفئات ساهمت باختلاط الثقافات وتعزيز الاندماج الاجتماعي الثقافي بينهم.وتكريس العادات الايجابية واختفاء السلبية منها، وحال الشركس والشيشان هو حال الفئات الاخرى في المجتمع من اكراد ودروز وأرمن ومسيحيين وغيرهم.