• محمد رفيع

شيخُ بَني حميدة (علي يونس): (أمَا فيكُم دَمُ العَرب..! واللهِ أنا لا أقبل (تحرير النفوس والعسكرية). ومَن يريد أن يأخذ منّي شيئاً فَليلحقني..!)

يَوميّات (هَيّة الكَرَك).. و(الحَملة الحُورانية)

في الصحافة العربية العثمانيّة (1910 _ 1911) (31)

وَالي سورية السابق (إسماعيل فاضل باشا) يتحدّث، عن؛

أسباب (فِتنةِ؛ هَيّةِ؛ عِصيان؛ تمرّدِ؛ ثَورةِ) الكَرك و(أحداث حوران) (2)..

الأحداث (يوم الأربعاء 1 _2_1911)

_ في هذه الحلقة الثانية، يعرض والي سورية السابق (إسماعيل فاضل باشا) رأيه في أسباب أحداث جبل الدروز وأحداث الكرك، التي وقعت الأحداث في عهده، والتي نشرها في صحيفة المقطم المصرية، فيقول:

* عرفت حقيقة ما جرى في الكرك من (قومندان الجندرمة في الكرك)، الذي استدعيته لإجراء التنسيقات.

* طلب سامي باشا من متصرف الكرك جمع شيوخ الكرك وسؤالهم هل يقبلون بتحرير النفوس والتجنيد العسكري، فطلبوا مهلة اسبوع، فرفض المتصرف ذلك، وطلب منهم تحديد موقف الآن في هذا اجتماعه معهم..! فطلبوا التشاور فيما بينهم خلوةً. فلحقهم فؤاد بك قومندان الجندرمة، حيث سَمعَ شيخَ بَني حميدة (علي يونس) يقول: أمَا فيكُم دَمُ العَرب..! واللهِ أنا لا أقبل (تحرير النفوس والعسكرية). ومَن يريد أن يأخذ منّي شيئاً فَليلحقني..! وتركهم ومضى.

* كما سمعهم القومندان يقولون: إننا نطيع الآن. فإذا رأينا قوة الحكومة كافية ظللنا على طاعتها. وإذا رأيناها قليلة (فننكُث..؟) بها. ودخلوا إلى المتصرف وهم يقولون: (إننا خاضعون طائعون).

* ولما باشرت الحكومة تحرير النفوس، خرج رئيس البلدية مع قوة عسكرية وضابط. وكانوا كلما دخلوا بيتاً يقول رئيس البلدية أن فيه خمس نفوس، فيقول الضابط لا بل فيه عشر نفوس. فينكر الأول ويكذبه الثاني..! وبقي الحوار على هذا المنوال، إلى أن اشتدّ، فهجم العرب على الضابط وقتلوه.

* بقي موضوع المال والعرب. حيث كانت الحكومة تدفع للعربان سنويا ثلاثين ألف ليرة. وفي العام الماضي (1909) حذفت الحكومة منها ستة آلاف ليرة. وفي هذا العام (1910) حذفت منها أيضاً خمسة آلاف ليرة، بقرار من مجلس الإدارة. ويقولون الآن أنّ حذف هذه الأموال هو سبب الثورة، وهذا القول خطأ، وهدفه التمويه والتستر على الحقيقة.

_ الأعراب الذين يأخذون هذا المال هم (الحويطات) و(بني صخر)، والذين خرّبوا سكة الحجاز غير هؤلاء. والحويطات وبني صخر لم يشتركوا في القتال على الإطلاق..! فكيف يكون المال هو سبب الثورة، حيث يفترض أن يكونوا في طليعة موقدي نارها..!

* الذين خرّبوا السكة هم (عرب المجالي). وهؤلاء كانوا حين يمسكون بأحد من ركاب قطار القطرانة يسألونه: هل أنت تركي..؟ فإن قال لا وتكلم العربية نجَا. وإن امتنع ذبحوه، وقالوا له أنت قاتل الشيخ فلان..! فأساس حركتهم كلها هو الانتقام من حكومة الكرك، بسبب سوء سياستها الإدارية والعسكرية. حيث كانت هذه الحكومة تتلقى الأوامر من سامي باشا، ولم يكن لي دخل بالأمر، ولا أعرف بالموضوع إلا بعد حدوثه بأيام..!

* كما أنّ نهب العسكر لأهل حوران قد نفّرَ عربَ الكرك من إطاعة الحكومة. ورفضُ الحكومة أخذ قيمة البدل العسكري من الدروز حملَ العرب على رفض الخدمة العسكرية..!

# ملاحظة؛ من كلام والي سورية يتضح أن الأتراك لم يكونوا ينظرون إلى دروز جبل العرب على اعتبار أنهم عرب، بل كعرق مختلف عن العرب، وهذا غريب..!!؟

مقدّمة تاريخيّة وملاحظات؛

_ هَيّة الكَرَك؛ هي عصيان مدنيّ، ما لبث أن تحوّل إلى ثورة مسلّحّة، ضدّ التجنيد الإجباري وتعداد النفوس. حيث اندلع العصيان في 22 تشرين الثاني (11) عام 1910، واستمرّ نحو شهرين، وكان أعنف الاحتجاجات ضدّ العثمانيين، التي اندلعت قبيل الحرب العالميّة الأولى، حيث قمعتها السلطات العثمانيّة بعنف شديد.

_ المصدر الصحفي الدمشقي لهذه الوثائق هو من أكثر المصادر الصحفية توازناً في تلك الفترة، وهي صحيفة (المقتبس) الدمشقيّة لصاحبها محمد كرد علي، غير أنّها تبقى صحيفة موالية للسلطة العثمانية، ولا تخرج عن طوعها. لا يتدخّل الكاتب في الوثائق المنشورة إلّا في أضيق الحدود، بهدف الشرح أو التوضيح فقط لا غير. هنا في صفحة فضاءات، سننشر الرواية الصحفية العربية العثمانيّة الرسميّة لأحداث الكرك، والتي استمرّت لما يزيد عن شهرين، كما رأتها السلطات العثمانيّة في حينه، على هيئة يوميات ومتابعة صحفية للأحداث. وتشكّل هذه المادّة جانباً وثائقيّاً صحفياً لـِ(هَيّة الكَرك)، كرؤية رسمية للسلطات آنذاك. أما السلطات العثمانيّة فقد أسمتها؛ (فتنة الكَرَك)..!

الفريق سامي باشا الفاروقي؛ (1847م ـ 1911م)

ولد في الموصل سنة 1847م تقريباً، وهو ابن علي رضا بن محمود الفاروقي. انتسب إلى السلك العسكري، وتخرج من الكلية الحربية العالية في استانبول، برتبة ضابط (أركان حرب)، وتخطى مراحل الترفيع في الخدمة، فوصل إلى رتبة فريق أول. قاد الحملة العسكرية النجدية سنة 1906م. حيث أرسلت حملة عسكرية لنجدة ابن رشيد أمير نجد، حيث كانت مهمة هذه الحملة العسكرية هي الوقوف بين الطرفين المتحاربين آل سعود وآل الرشيد، وقد كان نصيب هذه الحملة الفشل الذريع. قاد الحملة العسكرية على جبل الدروز عام 1910؛ وكانت فيها الضربة القاضية واستطاع رد الدروز إلى طاعة السلطان. وقاد الحملة العسكرية على الكرك عام 1910، بعد إخماد ثورة الدروزحيث ثار عربان بني صخر والمجالي وغيرهم في الكرك وجوارها، ويذكر أن تصرفات القائمقام التركي صلاح الدين بك الشاذة من أكبر العوامل لهذا العصيان، وكانت أشد هولاً وطغياناً من عصيان جبل الدروز. اقترن سامي باشا بكريمة عمّه عبد الله حبيب بك العمري ولم يعقب ولداً. توفي في العام 1911