دكتور كميل موسى فرام

تحديث المعلومات الطبية وترميم المتوفر والمتداول منها، بل وتصحيح مفاهيم كان لها وهج سابق في فترة زمنية يمثل حكرا وحرصا فكريا بامتلاك مقومات وأسرار النجاح للفئة المجتهدة التي تؤمن بضرورة تناول جرعة المناعة العلمية السنوية، للفئة التي تجود فيها على نفسها بواقع يحفظ بريقها وتميزها ويجعلها من ربع الأمجاد، للفئة التي اجتهدت باستقراء المستقبل حيث تمثل المستجدات الطبية وتوظيفها لخدمة الجسم الطبي بكافة أركانه واحدا من تحديات التميز والزمن والتي يجب أن تكون هدفا مشتركا لأبناء المهنة وأحفاد أبقراط وورثته، بل وتجعلنا نلتحف الجديد الذي يبعدنا عن روتين العمل والأداء بالتجديد، فتحديث المعلومات والمهارات الطبية يساعدنا بالمشاركة الفاعلة لتوظيف الاكتشافات الحديثة والاستفادة من نتائج البحث العلمي التي تجرى بمختبرات الابتكار خصوصا أننا قد ارتضينا لظروف مختلفة - نحترم البعض ونتحفظ على الغالبية منها - بدور سلبي يتمثل بالاستيراد الجاهز قيد الاستخدام برسم التسليم بدون مساهمة حقيقية تجعلنا شركاء حقيقيين بالاكتشافات العلمية

بدلا من التمجيد بماض انتهت فصوله وحلقاته بدون برهان بل بشكوك تغلف معطياته، وربما ما يزال البعض يتمسك بقضبان قطار أتلفت فواصله نتيجة عوامل الزمن والطبيعة والتحديث المستمر عبر مسافات العمر، وتزينه طبقة صدأ لحديده لفقدان خواصه يبتعد قاطنوه بجهل أو بطيب خاطر عن تحديث بياناته الدماغية تحت مسميات عراها التكرار.

علينا أن نعترف بداية أن الدول الغربية المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تشكل الينبوع الفعلي للابتكارات العلمية بمختلف أنواعها ودرجاتها، وهي وجهتنا جميعا بمرحلة دراسية معينة حيث أننا نصقل مهاراتنا عبر أغاديرها فمعامل البحث العلمي التي تحتضن النخبة من العقول البشرية الجبارة حتى تلك بفئتها العربية المنشأ تعمل على مدار الساعة وتوظف الجهود البشرية بسخاء لا يعرف الأنانية ويرفض سياسة الاحتكار، والدليل على ذلك السخاء بميزانية البحث العلمي وتنظيم المؤتمرات العلمية التي يعرض فيها الباحثون نتائج أبحاثهم بهدف نشر المعرفة والمناقشة وتبادل الخبرات والنتائج مهما كانت متواضعة أو سلبية، يساعدها بذلك توفير وسائل الدعم والمساندة ووجود مخصصات ضخمة للصرف على البحث العلمي، ضمن مشروعات بحثية منظمة وموثقة بخطة علمية متسلسلة تحتوي على جميع الاحتمالات للتصرف بين النجاح المطلق أو الجزئي إلى الفشل المطلق أو الجزئي. فالمؤتمرات العلمية المتخصصة بعرض نتائج البحث العلمي بين أهل المعرفة والاختصاص تمثل الوجه الحضاري للدول والمؤسسات العلمية ومؤشراً مهما للبقاء بدائرة التطور بعضوية فاعلة - وليس مشاهد تذهل الناظرين بما وصل اليه الآخرون - باعتبارها احد المعايير العلمية المهمة لتقدم الدول، ناهيك أنها تمثل واحدا من أسس التصنيف العالمية لمؤسسات البحث والابتكار والمساهم الأكبر بدفع عجلة البحث العلمي قُدُماً، والتبصير بأهم المستجدات العلمية العالمية لتكون واقعا بمتناول الجميع، وتمثل أيضاً تعزيزاً وتشريفاً للدول والباحثين على الصعيد المحلي والعالمي، حيث النخبة المتحدثة والباحثة بهدف شرف الاعلان عن نتائج الأبحاث للمناقشة والتي تسمى بواقعها إحدى الوسائل التعليمية المستمرة المهمة، فهي فرصة مهمة للباحثين والمتخصصين للمراجعة والتقييم ومواكبة أحدث التطورات والمستجدات العلمية العالمية، والاستفادة من الدراسات والخبرات والتجارب العالمية وتبادلها بل هناك الأبحاث العلمية ذات القواسم المشتركة بين مؤسسات البحث العلمي بالدول المتشابهة الظروف لتوطيد العلاقات العلمية والعملية بين المراكز العلمية، مما يساهم في زيادة الوعي والفهم، ورفع المستوى التعليمي والأكاديمي للباحثين، ومن ثَم الوصول إلى أفضل المعايير العالمية التي توضف في النهاية لخدمة المرضى بمختلف التخصصات العلمية، فوسائل التكنولوجيا الحديثة لا تمثل بديلا عن استخدام المهارات التشخيصية والعلاجية، والتي تمثل بواقعها أسس التصنيف العالمية على موازين التقدم والرقي.

تشرفت بالمشاركة بالمؤتمرات الدولية عبر سنوات العمل والتدريس، منها المتعلق بالتخصص الدقيق ومنها المتعلق بأمر التخصص الرئيسي، الخارجية منها والداخلية بصورتها السنوية أو الموسمية أو الفصلية بهدف الاطلاع والاستماع والاستفادة من آخر المستجدات الطبية على هذا التخصص الحيوي الدقيق خصوصا بجزئية تمثل كابوس المرض وهي جزئية الأمراض السرطانية باعتبار الأورام السرطانية تمثل سيف التحدي الأقوى للطموح الفردي الذي يمثل حاجز الرعب والخوف من دخول مرحلة الشفقة والرأفة، أذهب بشكل فردي وآخرين لنجتمع هناك من مختلف القطاعات الطبية تساهم الجامعة الأم بتكاليف السفر والمؤتمر، حيث لنا أن نفخر بمرحلة السلام التي نحظى بها في ربوع وطننا بينما من حولنا يغرق بربيع مظلم منذ سنوات وتتقاذفه أمواج بحر التغير الهائج من الشعارات والتفجيرات، في كل مناسبة نحضر الندوات النقاشية والمحاضرات المثمرة التي تعرض عصارة الجهود البحثية سواء الجديد منها أو المستجد الذي يغير من المعلومات المتداولة بيننا أو يبرهن لوسائل علاجية جديدة بهدف المساعدة على تقديم الخدمات العلاجية بايجابية تتعدى الواقع الحالي.

تبرهن المشاركة بالمؤتمرات والندوات العلمية بشكل دوري عبر مسيرتي العلمية والأكاديمية، الحرص الشخصي على البقاء لمسافة قريبة من مصادر العلم والتجديد، بل المساهمة بدائرة البحث العلمي التي تمثل رحما دائم الانجاب، فنظرة سريعة مثلا على التاريخ الطبي لعلاج معين ستوضح لنا المجد عندما اعتلى العلاج قمة الهرم العلاجي بعد اكتشافه ومفعوله السحري الذي كان سببا شفائيا ودافعا بحثيا للتطوير، حتى إذا مرت فترة زمنية فإذا بخبر ولادة علاج سحري آخر ينافس ويساعد على الشفاء، فغدونا نسمي المضادات الحيوية مثلا بأجيال استخداماتها منذ ولادة البنسلين حتى الجيل الخامس بمفعول السحر الآن بدون أن تغيب شمس التجديد أو وقوف عربة البحث، والحال لا يختلف عن الوسائل العلاجية للأورام النسائية مثلا، بالرغم من وجود الاجتهادات التي تهدف للتحسين، فما نسمعه ونشاهده أثناء جلسات المؤتمر بمختلف قاعاته ووسائله يمثل الحبل المغذي والرابط لرحم المعرفة الذي يضمن استمرارية بقائنا بدائرة المعرفة الجديدة والمتجددة.

المحاولات التي يبذلها الزملاء الأطباء بحضور الندوات والمؤتمرات وتنظيمها تمثل واقعا صحيحا للبقاء بدائرة المعرفة الطبية المتجددة، يوازيها على الجانب الآخر الجهود المضاعفة التي تبذل لنشر البحوث العلمية في المجلات العالمية المحكمة والدوريات المتخصصة اللتين تعتبران رديفا آخر لانجازات مختبرات الأبحاث بسلم التقدم والتميز، فالقناعة الصحيحة تحفر مبادئها على صخرة البقاء بان من ينشد لبناء قصره بدائرة الضوء الحديث ضرورة للاستمرارية، وتحتاج لجهد المشاركة وعدم الاكتفاء بدور المستورد السلبي أو الاعتماد على القدرة بتوظيف انجازات الغير ضمن أفق الانفاق الذي يضمن سباتا دماغيا سلبياً مؤسفا، فالمشاركة بالمؤتمرات تعطي الطبيب المجتهد شحنة تشجيع بالقدرة على العمل والتفكير والمشاركة، وعلينا أن نعترف بمحدودية قدرتنا على الابداع بالشكل الذي يضمن لنا التسويق العالمي، فنحسن الجهود بفائدة المشاركة مع الدول التي تعتبر مهد العلوم الطبية بما تملكه من قدرات وإمكانات ومعامل بحث وانتاج، ويكفي أن أذكر أن شركات الدواء تخصص جزءاً يسيراً من ميزانيتها السنوية والتي تقدر بمليارات الدولارات للبحث العلمي والتحسين على المنتجات العلاجية واكتشاف أسرار الأمراض التي تمثل رقما صعبا أو لغزا محيراً من أجل تصنيع العلاجات المناسبة للشفاء، فهناك إعادة ترتيب لأولويات التشخيص بشكل دوري ويرافقها خلط إلزامي بوسائل العلاج بدرجة جريئة تمثل واقع الاعتراف ضمن خطط تحليل واكتشاف تمتد لسنوات، ففي كل مؤتمر يبشرنا العديد من العلماء والباحثين مثلاً أن هناك بوادر أيجابية لاكتشاف أسرار سرطانية خلال السنوات القادمة بعد أن قطعت الأبحاث مرحلة طويلة من رحلتها بدرجة دقيقة من التعامل بين مراكز البحث العلمي العالمية، فتجعل من شجرة التفاؤل محجاً نتوق اليه وننتظره بصبر لحرصنا على البقاء على مسافة قريبة من الجديد في مختلف أصناف العلوم، حيث هناك وعد بالمزيد لتغذية الطموح المتجدد.

الحصول على الشهادة الجامعية بدرجاتها المختلفة لا يضمن القدرة المطلقة على الابداع، بل يمثل معطف الأمان لمن يطمح بوظيفة روتينية لاستكمال مراحل الحياة بشكلها الروتيني الضيق بسقف محدد للطموح لا يتعدى محور الزواج والانجاب وامتلاك شقة منزلية، ولكن من يرغب أن يمتلك لنفسه مقعدا بين الخالدين، وقصرا فارها بين عظماء العطاء والمعرفة ويحرص على بنيان جامعته وكليته فعليه أن يجهد ويصرف بسخاء لأن منطاد المعرفة للتمتع بطبقات السمو يعتبر هدفا محتكرا لفئة الابداع حيث أجد من ذاتي مضحيا لترجمة الطموح فنحن نجهد لحجز تذكرة هناك، لأنه ببساطة لا تحتاج لترجمة القول بأن تحديث المعلومات الطبية التي يذخر فيها الطبيب وترميم المتوفر منها يمثل أمنية للفئة التي تجود على نفسها بما ملكت لواقع يحفظ بريقها وتميزها وقد بدأنا عندما رسمنا للذات خطة وهدف بواقع الامكانات التي لها أن تمنحنا دفء الأداء بجرأة تتعدى حاجز الانتظار.

ندرك جيدا أن الفترة الزمنية للمؤتمرات العلمية لا تزيد عن بضعة أيام، بينما التحضير لها يستغرق شهور اً وربما سنوات لتكون على مستوى الحدث وتقدم الفوائد العلمية المرجوة منها، خصوصا أن جانب مهم منها يهتم بالجديد بينما هناك مفاصل ومحاور تتبنى تبرير الطرق المختلفة للعلاج بطريقة وأسلوب عرض يعتمد على تجارب من رحم الواقع يؤسس للاجتهاد، فيعرض للمناقشة والانتقاد والتحليل فتستقر هيكلة الفكرة بالطريقة الأنسب التي تحكمها ظروف مختلفة، على أن اذكر من باب الأمانة بمشكلتنا الكبرى في التطبيق التي يمكن حصرها بالامكانات المادية المتوفرة ووسائل العلاج المتبعة ضمن نمط تراثي تتعدد أضلاع بنائه من مثلث لمربع لخماسي هندسي، لتضاف إلى مهام المؤتمرات أمنية الاقتناع بأجيال العلاج الحديثة. قد يكون الاعداد للمؤتمر مساهمة وحضورا أمرا مكلفاً ماديا ومعنويا وجسديا ليقفز السؤال المهم الذي يبحث عن الجواب الشافي وهل يستحق حضور مؤتمر أو ندوة كل هذا الاهتمام؟ بمنطق الفائدة فالاجابة بنعم بدون تردد وجواب يتيم يرفض المقارنة فلا خيارات لو قررنا التقدم على سلم المعرفة الحديث، حيث مقاصة حقائق تنظيم المؤتمرات وحضورها له من الفوائد ما يصعب حصرها وقياسها، وأبعد من اهتمامنا بأخذ الصور التذكارية بابتسامة مصطنعة لنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأنها لا تقترن بفعل يبرهن امتلاكنا لباطنها، تماما كما أراها خصوصا بزيادة جزئية التخصصات الفردية ضمن التخصص العام، وللتوضيح، فالتخصص العام هو مفتاح التوجه للتخصص الرئيسي والفرعي بدرجة أكبر، تماما كما هي الأسرة لبنة المجتمع فإن الجمعيات العلمية هي لبنة المجتمع العلمي، وتكوين الجمعيات و الشبكات العلمية يتم من خلال تعاون وتآلف بين الباحثين من ذوي التخصص المشترك ومن له علاقة بالأمر دون التأثر بإملاءات شركات الأدوية التي تقدم الدعم المشروط، فخلال المؤتمرات تتولد علاقات علمية وعملية، اقتصادية واجتماعية، وتتكون شبكات علمية ومجموعات بحثية وتبادل للخبرة والمعلومات، فمشوار المهنة الطبية استحق اسقلالية للمعرفة بهدف الأداء لا تسمح بأن يكون بعيداً عن البحث العلمي وآخر تطوراته، حيث يعطيه المؤتمر فرصة يتعرف على ما جدّ من بحوث في مختبرات الجامعات ويطور أداءه في عمله، ويتعرف العالم والباحث في الجامعة على المشاكل العملية وما يُحتاج إليه في أرض الواقع. وتبدأ حركة ايجابية بين الطرفين، فينكب العلماء على بحوثهم ويعملون بصمت، يجعل المجتمع الخارجي لا يعرف عنهم وعن أنشطتهم العلمية الشيء الكثير. خلال المؤتمرات يحاولون ترتيب وإعداد عروض تبين تلك الأنشطة، يراها الحضور وتظهرها وسائل الاعلام للجمهور فيتعرف المجتمع على جامعاته وعلمائه، ويستفيد منها المحتاجون حيث ينتشر العلم وثقافته و نوره في المجتمع الذي يعترف بالواقع وفضل الآخرين وللحديث بقية.