من الأشياء التي بدأت تفقد مكانتها لدى القائمين على المؤسّسات الأكاديمية الكتاب المؤلّف والمخطوط المحقّق، بينما ارتفعت بصورة واضحة مكانة الأبحاث المنشورة في مجلات علميّة محكّمة، حتّى إنّ المعايير التي يستند إليها القائمون على المؤسّسات الأكاديمية تحتفي كثيراً بالبحوث أضعاف احتفائها بالكتب، بل إنّ الكتب لم تعد تمثّل معياراً لمستوى الإنتاج العلمي للأساتذة والباحثين. وفوق هذا وذاك أصبحت الأبحاث المنشورة باللّغة الإنجليزية أو في مجلات أجنبية أهمّ بكثير من تلك التي تنشر باللّغة العربيّة أو في مجلات تصدر عن الجامعات والمؤسسات العلمية العربيّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الأمر لا يقاس بحجم البحث أو الكتاب ولا باللّغة التي ينشر بها ولا بالبلد أو الجامعة التي يصدر عنها، إنّما تقاس قيمة الإنتاج العلمي بما يقدّمه المؤلّف أو الباحث من جديد في مجال تخصّصه، ولذلك فإنّ بعض الكتب قد تكون قليلة القيمة والفائدة، وبعضها عظيم الفائدة ويشتمل على إنجازات ونظريات وحقائق جديدة بالغة القيمة والأثر، وكذلك يقال عن الأبحاث التي قد يكون بعضها متميّزاً وبعضها لا قيمة له. ولذلك فإنه لا يجوز غضّ الطرف عن المؤلّفات القيّمة التي تتألف من عدّة فصول وكلّ فصل فيها قد يحتاج من الجهد العلمي ويمتلك من القيمة العلميّة ما يفوق أيّ بحث منشور في مجلّة. وكذا يقال عن المخطوطات المحقّقة فإنّها تحتاج من الجهد والأدوات المعرفية والمهارات ما لا نجده عند من ينشرون الأبحاث المختصرة العاجلة.

وإذا طبّقنا المعايير الحديثة التي لا تأبه بالإنتاج العلمي المنشور في كتب لصالح الأبحاث المنشورة في مجلات، فإنّنا بذلك نهمّش أساتذة وعلماء كباراً قدّموا للعلم إنجازات فائقة القيمة. ولذلك لا بدّ من الالتفات إلى أنّ لكلّ تخصّص متطلباته ومناهجه وأدواته، فالمتخصّص في علم الفيزياء ليس كالمتخصّص في التاريخ، والمتخصّص في الهندسة ليس كالمتخصّص في اللّغة العربيّة وآدابها، فمعايير التأليف ومناهجه لكلّ واحد منهم تختلف عن تلك التي للآخرين، فلا يجوز أن يفرض منهج واحد ومعايير موحّدة ومواصفات موحّدة على جميع التخصّصات دون مراعاة خصوصية كلّ علم، أو أن يتفرّد تخصّص واحد ببسط مناهجه ومعاييره على سائر التخصّصات.

ولا ننسى أنّه في حال تهميش الكتاب أو المخطوط المحقق واستبعادهما من معايير الاعتماد الأكاديمي أو الانتقاص من قيمتهما فإن ذلك سيؤثر تأثيراً سلبيّاً كبيراً على عمل دور النشر ويعيق جهودها في نشر العلم وإحياء التراث، وسيؤثر كذلك على عادة المطالعة عند أبناء المجتمع.

ولذلك فإنني أدعو إدارات المؤسّسات الأكاديمية إلى أن تراعي الفوارق بين التخصّصات المختلفة وتأخذ بالاعتبار وهي تضع معاييرها في تقييم الأساتذة والباحثين خصوصية كلّ علم من العلوم بما لا يؤثر على مستوى التحصيل فيه وتطويره وحجم الإنتاج والبحث في مجاله.

salahjarrar@hotmail.com