عمان - رويدا السعايدة

يمتلك الشاب علي اسما مستعارا في ثلاثة حسابات على موقع الفيسبوك يتصفحها ليل نهار، تلك الشخصيات المتنوعة التي تحملها الصفحات تعكس كلاً منها جزءاً مكنونا يرغب في أن يصل إليه أو لإرضاء رغبات دفينة أو حب الظهور والتفاخر أمام المحيط القريب والبعيد، وتتوزع بين الشخصية العنفوانية والرومانسية، وتلك السياسية.

كثير من مستخدمي مواقع التواصل، وفقاً لشباب استطلعت «الرأي» آراءهم، أكدوا أن الشخصية الافتراضية باتت تسيطر على كثير منهم، لافتين الى أن تلك الشخصيات لا تتعلق بفئة الشباب فقط، بل أضحت تكتسح جميع الشرائح الاجتماعية بمختلف درجاتها بغرض تحقيق رغبات نفسية.

وأكد الشباب في حديثهم أن هناك متصفحين يظهرون بشخصياتهم الحقيقية، ويستخدمون هذه المواقع لتوسيع دائرة معارفهم وشعبيتهم، ولاحظوا أن هؤلاء يضيفون فائدة إلى المواقع من خلال المناقشات الجادة الحوارات البناءة وتبادل الأفكار.

شخصيات افتراضية

ومن وجهة نظر الناشطة على التواصل الاجتماعي ليلى بشار، قد تختلف شخصيات المستخدمين بين الواقع والمنصات الرقمية، لكن الاختلاف «قد لا يكون جوهريا لدرجة عدم تطابق الشخصيتين».

وترى ليلى أنه «قد يكون هناك من هو أجرأ بطرح أفكاره في الفضاء الرقمي»، لكنّه «لن يكون منطويا بالكامل على نفسه في الواقع»، لذا لا ترى «الاختلاف جذريا وكبيرا، لكنه قد يكون موجوداً في بعض الحالات».

وتلاحظ الناشطة الشبابية أماني جوزع أن الشخصية الافتراضية باتت تسيطر على الكثير من مستخدمي مواقع التواصل، و»صرنا نعايش شخصية افتراضية ولا نستطيع الحكم أنّ هذه شخصيته الحقيقية أو أخرى مغايرة يتبناها أو يحب أن يظهر فيها، ولها سلوكيات مغايرة تماما عن شخصيته الحقيقية».

وتعتقد جوزع أن مردّ ذلك هو الرغبة في الهروب من الواقع الحالي إلى عالم افتراضي، وأحيانا لأن تلك الشخصية تمتلك مواصفات تحب تقمصّها وترغب في الوصول، أكانت سلبية أم إيجابية.

وحضت جوزع الشباب، وبخاصة مستخدمي مواقع التواصل على أن يبقوا حقيقيين؛ «كن أنت.. لاتكن صورا أو وجوها أو أقنعة لشخصيات أخرى».

مكنونات داخلية

المعلمة سح رفياض تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي متنفسا لكثير من الأشخاص الذين يمتلكون حسابات عليها لتكون منصة يعبرون فيها عن ذواتهم أو أفكارهم او توجهاتهم

ولا تجزم الفياض ان هذه المواقع تعكس الشخصية الحقيقية للفرد، كما لا نستطيع أن نقيمها من خلال مواقع التواصل؛ وإنما من خلال الاتصال المباشر مع الشخص وحسب طبيعة المجال الذي يفرض نوع التواصل في العائلة أو العمل أو المجتمع.

وتؤكد الفياض أن التواصل الانساني المباشر والحقيقي «هو الفيصل في إظهار أبرز الجوانب في شخصية الفرد».

وترى أن مواقع التواصل «قد تعكس جزءاً من شخصية الفرد وأهدافه التي قد تؤثر إيجابا على المتابعين وتُحدِث تغييراً حقيقيا في حياة الأفراد.

أو قد تؤثر سلبا فيما لو كانت الأهداف خفية أو حتى ظاهرة بحيث تهدف لإحداث خلل في المجتمع.

إسقاطات الواقع

يعتقد استشاري علم النفس محمد أبو شوك أن السبب في ازدواجية الشخصية في مواقع التواصل يعود إلى أن الشخص الذي يعتمد تعدد الشخصيات تعرَّضَ لظروف أو ضغوط نفسية أو مسؤوليات كبيرة، بحيث يجد في الازدواجية مهربا.

ويؤكد أن أغلب مستخدمي التواصل يرغبون في أن يمتلكوا الشخصية المثالية؛ لكن بعضهم يصل حد المبالغة في تلك تلبُّس الشخصيات التي تفضي إلى ما يسمى بـ»النفاق الإجتماعي».

ويعتقد أبو شوك أن الكبت الزائد يدفع بالكثير لامتلاك «الشخصيةالمزدوجة»؛ فيحدث الصراع الداخلي وتهتز الشخصية لاشعورياً وتصبح شخصية مغايرة للواقع.

نزعة إنسانية

ومن وجهة نظر أستاذ علم الاجتماع الدكتور فيصل غرايبة فإن بعض مستخدمي وسائل التواصل، يحاولون أن يظهروا بطريقة مثالية، وأن يطرحوا وجهات نظر مختلفة بشكل إيجابي يلفت إعجاب الآخرين.

ويبين غرايبة أن ظهور الشخصية الافتراضية ليس من الأمراض النفسية أو حتى الاجتماعية؛ وإنما هي نزعة إنسانية تزداد عند الأفراد الذين يحاولون تكوين انطباع إيجابي راق عنهم في المجتمع، وبخاصة اذا كانوا من الشخصيات العامة التي تظهر على شاشات التلفاز أو المذياع أو مواقع التواصل الحديثة.

ويدعو غرابية الى ضرورة الموازنة بين الأمور، بعدم ربط آراء الشخص الإيجابية بما لديه من صفات سلبية، ويرى أن هذا يدخل في باب الحرية للفرد المستخدم.

ويحض الأشخاص المتابعين على تحمّل هذا التباعد بين ما تعرضه الشخصية من وجهات نظر وآراء وما نعرفه عنها من تكوين ذهني واجتماعي وسياسي.

ويذكر غرايبة أن مثل تلك الحالات «ليس لها أي علاج»، وتبقى في حيز «الحرية الشخصية» في الإدلاء بالرأي، وفي ذات الوقت للمتابعين الحرية في الإطلاع على ما ينشر ويكتب أو تجاهل ما ينشر.